نحو تاريخ جديد لأدب الأطفال (4)

مؤسسة “سبارك اللغة العربية

تأليف : ســيث ليــرر
ترجمة: د. ملكة أبيض

إن تاريخ أدب الأطفال في القرن العشرين هو، إلى حد كبير، تاريخ هذه المؤسسات أيضاً : تاريخ الجدل حول جمهور القراء، ومدى مناسبة الكتب، والميداليات، والجوائز، بصورة تعكس الاهتمامات الاجتماعية، والحاجات التجارية.

إن تاريخ القراءة هو تاريخ للتدريس أيضاً. وأدب الأطفال يمثل حالياً مقرراً دراسياً. وبدءاً من ،١٩٧٠ومع إنشاء مجلات مثل »أدب الأطفال« في جامعة ييل، و» الأسد ووحيد القرن « في جامعة جون هوبكنز، غدا أدب الأطفال موضوع دراسة نظامية وبحث متخصص.

ويعود بعض هذا التقدم إلى الأساليب الجديدة في التاريخ الاجتماعي لتلك الفترة. فقد سار »تاريخ الأسرة« بصورة موازية مع تركيز الجيل الأول من النساء الباحثات على الكشف عن كُتّاب لا يخضعون للقواعد التقليدية، وعلى كتابة السرديات الدبلوماسية التقليدية على شكل قصص عن العلاقات الأسرية.

إن الكاتبات اللواتي عانين من الإهمال التاريخي كُن في الغالب كاتبات حول الأسرة، وأحياناً كاتبات وجامعات لأعمال خيالية وتربوية حول الأطفال. وحين بدِئ بفهم الأمومة بصفتها نوعاً من العمل، جرى تقدير أفعال مثل رواية القصص، أو كتابة الكتب، أو إمتاع الأطفال وتعليمهم، على أنها نوع من التأليف.

هذه التطورات في التاريخ الاجتماعي كان لها أثر عميق في اتجاهات الدراسة الأكاديمية لأدب الأطفال.

لقد كتب »جاك زايبس Jack Sipes«، وهو أحد النقاد الكبار في هذا المجال، يقول: »كانت معظم الكتب العلمية حول أدب الأطفال قبل 1972 تميل إلى أن تكون قصصاً أدبية لطيفة تُمجد الطبيعة الخيرة والنوايا الطيبة للآخرين، باستخدام طرائق وضعية وأيديولوجية ملائمة. إلا أن الدراسات الحديثة بدأت تتعمق في الدوافع الخفية لأدب الأطفال، وتستكشف العوامل الاجتماعية – السياسية – النفسية لهذا الأدب«.

هذا التحليل الذي كتبه زايبس عام 1990 في نهاية عقدين من القلق النظري والسياسي يلاحظ وجود جهود ثورية لدى المدارس النقدية المختلفة، في دراسة أدب الأطفال تقف في وجه الاتجاه السياسي المحافظ في أمريكا وأوروبا.
وبعد عقدين من الزمن، كان من الممكن للمرء أن يلاحظ أن أدب الأطفال بصفته مقرراً دراسياً لا يعكس الاهتمامات النظرية للباحثين فحسب، بل المناورات التقنية لثقافة الإعلام أيضاً .

إن دراسة أدب الأطفال هي من الدراسات الثقافية، ليس من حيث أنها تستعير طرائق التحليل الأدبية، والاجتماعية، والاقتصادية فحسب، بل لأنها يمكن أن تخدم بصفتها اختباراً لأطروحات النقد الثقافي الراهن. لذلك نرى أن مادة أدب الأطفال تزدهر في الدراسات الأكاديمية حالياً. وغرض هذا الكتاب سيكون توفير مرجع لبحوثه، وتشجيع قيام دراسات لاحقة. هناك غرض آخر لهذا التاريخ الجديد لأدب الأطفال، ألا وهو إعادة تنظيم ما أصبح يشكل المحور الناطق بالإنجليزية لدراسة أدب الأطفال.

فقد وجدت جميع الثقافات طرائق للكتابة لأطفالها: العصور القديمة، والعصر الوسيط، وعصر النهضة في أوروبا؛ والدول الحديثة، والمجتمعات ما قبل الصناعية. ولكن يبقى هناك شيء فريد بشأن التقليد الناطق بالإنجليزية.

إن اهتمام جماعة المتطهرين  «Puritans» بالطفولة – أو بمستقبل العائلات، ومسألة الظروف الروحية للطفل، وتعليم القراءة والكتابة والكتاب المقدس – هذا الاهتمام تضافر خلال القرن الثامن عشر مع نظريات جون لوك حول رعاية الأطفال والتزامه الفلسفي، في التركيز على دراسة التنشئة والتربية لإيجاد مكان متميز للأطفال وكتبهم في التاريخ الأدبي الإنجليزي.
كما أنشأ »جون نيوبري
John Newbery« مطبعته الأولى المكرسة لتوفير كتب الأطفال في إنجلترا في منتصف القرن الثامن عشر.

وحين أطل القرن التاسع عشر كان بائعو الكتب الإنجليز والأمريكان يوظفون استثمارات كبيرة في تسويق حاجات العائلات. وكانت الثقافة الأدبية الأمريكية قد طورت استقلالا ً عن الماضي المرتبط بالإنجليز، وأصبحت الطفولة ونمو الأطفال موضوعات رئيسة في العديد من الروايات والمسرحيات والقصائد، حتى ولو لم تكن مقدمة خصيصا ً لجمهور الأطفال.

وفي أواخر القرن التاسع عشر، ظهرت نظرية داروين في التطور، ونشأت إمبراطورية بريطانية استعمارية، وأدى ذلك إلى إدخال موضوعات جديدة على الأدب الإنجليزي الموجه للأطفال: مسائل في النمو البشري، مبادئ في العلاقات السياسية بين المستعمر والمستعمر، نظريات عن هوية الأعراق. وكل هذه أصبحت موضوعات لِكمٍّ متعاظم من الكتابات الموجهة لتعليم القراء الصغار وتسليتهم.
في إطار تاريخ أدب إنجليزي من هذا النوع، تكون للكتابات الموجهة للأطفال، وحول الأطفال، مكانة فريدة حين تقارن مع تقاليد أوروبية أخرى.