سِلسلة: الدليل المنهجيّ للكتابة باللغة العربية.

المقال الثالث:

الكتـابـة

مِن الهِوايــة إلـى الاحتـــراف

الحسين بشوظ – مؤسَّسة “سبّارك اللغة العربية”

أنا أتذكَّرُ جيداً اليوم الذي قررتُ فيه أن أكون كاتباً، حيث كَتبتُ في دفتر يومياتي «اليوم قررتُ أن آخذ الكتابة على مَحمل الجِدّ، وأن أستمرَّ دُون توقف، وأن أتعلَّمَ كلَّ ما يُمكن تَعَلُّمُه لأصبح كاتباً».

هذه العبارة أوردها “جيمس سكوت” في مقدمة كتابه (الحبكة والهيكل) والذي جعل مقدّمتَه أشبهَ ما تكون بالسيرة الذاتية، لرِحلتِه الشاقة والطويلة لتعلّم صنعة الكتابة. قد يكون كثيرٌ منكم يعرفُ “جيمس سكوت بيل[1]“، ولكن القليلَ منكم فقط مَن يَعرف قصَّتَهُ مع الكتابة.

يُعتبَـر “جيمس سكوت بيل” أحدَ أبرزِ مُدرِّبي الكتابة الإبداعية في العالم. وصاحبَ أكثرِ الكُتب مبيعا في العالَم كذلك، والحاصل على جائزة كريستي الدولية للتميز. هذه المكانة لمْ يَنلها جيمس سكوت هكذا صُدفة، بل سبَقتْها صعوباتٌ وكَبَوَاتٌ وتحدياتٌ كثيرة جدا، استطاع جيمس التغلب عليها جميعَها، وفرَضَ أخيرا رغبَتَه الـمُلِحَّة في تحقيقِ حُلُمِه في أنْ يُصبح كاتبا روائيا حقيقيا وناجحا.

قِصة جيمس سكوت مع الكتابة طويلةٌ جدا وشاقة وشيّقة كذلك، ومادام “سكوت” قد استطاع هزم كلَّ تلك الصعوبات والعَقَبات التي واجهتْه، فبإمكاننا نحن كذلك أن نَحْدُوَ حدوَهُ، ونَهزم جميعَ العوائق والموانع والصعوبات التي تَحُولُ بينَنا وبين تحقيقِ حُلمنا في أنْ نصيرَ جميعاً كُتَّاباً مثل “جميس سكوت” كلٌّ في المجالِ الذي يُحبُّه، والتخصصِ الذي يَحلُم به.

وردتْ هذه القصة في مقدمة كتابِه الذي عنونَه بــــ (Plot & Structure)  حيث سرد لنا تفاصيل معاناتِه وصراعه المرير مع عَدَّوتِه اللّدُودة التي كادتْ أن تهزمَه، وتنهي حُلُمه في أن يصير كاتبا ناجحا ومحترِفا وإلى الأبد.

اكتشف جيمس سكوت عِشقَه ووَلَعَهُ بالكتابة منذ أن كان يافعا، هذا الحب والولع، ولَّدَهُ لديْهِ الكَمُّ الكبير من الروايات والقصص التي قرأها، لقد دفعتْه شدة التأثير بالحُبْكة السردية الـمُتقنة والشديدة الترابط والانسجام في الروايات التي قرأها، إلى محاولة إنتاج نصوصٍ مُماثلة بنفس الجودة التي يجدُها في كل مقروءاته، وبعد محاولات عديدة للكتابة، استغرتْ منه جُهدَه ووقتَه وكثيراً من المِداد والأوراق والسهر والعزلة، لم يُفلح جيمس في إنتاج ولَوْ نصٍّ واحد مقبولٍ من حيث الحكي والسرد. وتأكد لجيمس أن لتك الأفكار التي طالما أوحتْ بها له عَدُوَّتُه التي كانت تُـثبِّطُ مساعيه في أن يحاولَ أن يَكون كاتبا ناجحا يوما ما، وكانت من بين الحجج التي تسوقُها له باستمرار، أن الكتابة مَلَكَـةٌ ذاتية يمنحها الله لمن يشاء ويمنَعها عمن يشاء، والكُتَّــاب يولدون ولا يُصنعون، وأن فِعل الكتابة غيرُ قابلٍ للتعلم، ولن تصير أبداً  كاتباً ولو قضيتَ كلَّ حياتِك تتدرب على حرفة الكتابة.

اقتنع جيمس بفكرة أنه لم يُخلق ليكون كاتبا وتخلى عن حُلمِه، وقرر أن يشتغل في مجالات أخرى بعيدة كلَّ البعد عن الكتابة والتأليف، ولكن هاجس الكاتبة لم يَخفُتْ في داخله، وظل نارا كامنة تتلظى تحت رماد يأسه وفشله المتواصل.

لم يستطع جيمس سكوت أن يتخلى عن قراءة القصص والروايات التي أَحَبَّها وأدمنَ عليها منذ صغرِه، ومع مرور الأيام، وجد نفسَه يعود للقراءة والكتابة من جديد، ولكن هذه المرة بِنَفَسٍ جديد، فقد اكتشف أن مستواه يتطور، ومع كثرة القراءة بدأ هامش الاستيعاب يزداد أكثر فأكثر، وبقي سؤالٌ ظلَّ يَشغلُ بالَه ولمْ يجد له جوابا، وكان موقنا بأنه لو استطاع الوصول إلى جوابٍ له، فلن يقف في طريقه أحد، وكان السؤال الذي يشغله، هو عن مصدرِ المادة السردية العظيمة والـمُعجزة لأولئك الكتاب الكبار الذين أدمن قراءةَ رواياتِهم وقصصَهم، وكان كُلما فتح هذا السؤال إلا وجاءَهُ الجواب الـمُـثـبِّـط الذي اعتاد سماعَه من عدوَّتِه: (هذه المادة العظيمة مزروعة في أدمغتِهم وعقولِهم بالفطرة، وأنتَ لستَ منهم). وكان يؤكدُ هذا الجوابَ، الصفحاتُ الطويلة التي كان يكتبُها جيمس في محاولة منه لاختراع حُبكة قصصية مُشوقة، حيث كان يُجهد مخيِّلَتَه ليتخيّل عوالمَ وقضايا مشابهة لتلك التي يُطالِعها في الروايات، ولكنه في النهاية يكتشفُ أن ما كان يَكتبُه ليس قِصصا، بل عباراتٍ وجُملا لا معنى لها.

ورغم كل ذلك اليأس الممزوج بالألم، ظل جيمس يكتب، وقرر أنْ يُداوم على فِعلِ الكتابة حتى وإن لم يَنشر ما يكتب.

وبينما هو على تلك الحال مدة من الزمن، إذْ وقعتْ يدُهُ على كتابٍ سيُغيِّرُ تفكيرَه ومَنْطِقَهُ حول الكتابة بشكل كليّ تماما. كان اسم الكتاب “الرواية مِن الحُبكة إلى الطباعة[2]” للكاتب الأمريكي المعروف “لورانس بلوك”، وقد اعتَبَرَ هذا الكتاب بمثابة هدية إلهية له، جزاءَ ما صبر وكابَد مِن مشاق في سعيِه لتحقيقِ حُلمِه.

لقد اكتشف جيمس سكوت من خلال هذا الكتاب الرائع، أن اللغة بالإضافة إلى أنها مَلَكَة طبيعية، إلا أنها كذلك صَنْعَة وحِرفة يجب التدرُّبُ والتَّمَرُّنُ عليها، ولقد اكتشف جيمس أخيرا الخطأ الذي كان يرتكبُه باستمرار، وهو عدمُ البحث عن الأدوات والوسائل المساعدة على التَّمرُّنِ والتدرُّبِ على الكتابة، لقد منح هذا الكتاب لجيمس، الأمل من جديد في أن يكون كاتبا لا يُشق له غُبار، وأصبح بإمكان جيمس الآن أنْ يَدْرُسَ صَنعَة الكتابة، ويتمرَّنَ على عناصر الحبكة القصصية، وصار الآن يَعرف معنى البِناء الروائي ونماذجِه وآليات تشكُّلِه.

لقد كان جيمس سكوت على صواب، عندما لم يقطع صِلته بالقراءة والكتابة، هذا أعطاه الكثير من الزاد المعرفي واللغوي، وجَعَلَهُ يحتك بعشرات الكُتَّــابِ المتميزين على مستوى العالم، عبر مئات الكتب التي قرأها لهم.

قد تتساءلون عن العدوة اللَّدودة التي حارَبَتْ “جيمس سكوت”، وكادتْ تقتل حُلمَه في أن يصير كاتبا محترفا، هذه العدوة سماها “جيمس” نفسُه في مقدمة كتابه، بــــ “الكِذبة الكبرى” التي كانت تتمثَّل أمام عيْنَيْهِ كُلما همَّ بالكتابة، إنها نفس الكذبة التي كانت تقول له إن الكُتَّــابَ يُولَدُون بالفِطرة  ولا يُصنعون.

لقد أخلص “جيمس سكوت” إلى الكتابة وأحبَّها بصدق، ولم يتخلى عنها أبدا، رغم كل محاولاتِه الفاشلة والمحتشِمَة في بداياته الأولى. وظل ملتزما بِفِعْلِ الكتابة، مُواظبا عليه باستمرار، ولم ييأس رغم الوساوس التي كانت تَبثُّها له تلك الكذبة الكبرى.

تَـمُــــرُّ سنواتٌ ويكتشف “جيمس سكوت” أنها استطاع فعلا وبكل اقتدار أن يصير كاتبا حقيقيا مُتميزاً ناجحاً ومحترفا، تماما كما كان يحلم من قبل.

يُعطي جيمس مجموعة من النصائح الهامة لكل من يريد أن يبدأ مشوار الكتابة نحو الاحترافية والتميُّز، وكانت أول خطوة دعا إليها، هي أن تُحبَّ الكتابة حباً صادقا، وألا تتخلى عنها أبدا مهما حدث، وألا تتنازل عن حُلمِك في أن تصير كاتبا متميزا في يوم من الأيام، ثم سَرَد مجموعة من النصائح الأخرى نُجمِلُها في التالي:

  • لا تيأس أبدا، وحافظ على معنوياتِك مرتفعة دائما.
  • تَمسَّك بِحُلمِك في أن تصير كاتبا ناجحا، وابذُل كلَّ ما في وُسْعِك لتحقيق حُلمك.
  • يجب عليك ألا تُعَوِّلَ كثيرا على معرفتِك المحدودة، بل يتوجَّبُ عليك البحث عن الكتب والمدربين المتخصصين في مجال الكتابة، ليساعدوك على تطوير مستواك باستمرار.
  • يجب عليك أن تلتزِمَ بمُخططٍ تدريبيّ جادٍّ ومستمر.
  • اجعل مَكتَبَك أو المكان الذي تَكتُبُ فيه مليئا بالمؤشرات الإيجابية.
  • اجعل لوحاتٍ على جدران مكتبتِك مكتوبٌ عليها عباراتٍ وأقوالٍ تُحبِّبُكَ في الكتابة.
  • انسخ أقوالَ مشاهير الكُتَّـابِ وصُوَّرَهم وزَيِّــن بها مكتبتك.
  • جعل أيَّ يشيء في مُحترَفِك الكتابي يدل على حُبِّك للكتابة، ويجدد فيك باستمرار حُبَّ الوصول إلى هدفِك
  • أكتب عباراتٍ تحفيزية واجعلها خلفية لشاشة حاسوبك.
  • اقرأ للكُتَّـاب المشاهير، واقتنِ الكُتب الأكثر مبيعا في العالم.
  • عندما تشعر أنك تحتاج إلى الكتابة افعل ذلك مباشرة وبدون رسميات، ولا تهتم بما تكتب، المهم أن تُمرِّن نفسك على عملية الكتابة.
  • لا تقلق بشأن كتاباتِك السابقة التي تبدو لك غيرَ ذي جدوى، اعتبرها خواطرا أو مجرد انسكابٍ حرٍّ على الورق. وستكتشف الفرق الإيجابيَّ مع مرور الزمن.
  • عندما تحس أن ما تكتبه قاصرٌ وناقص، فاعلم أن مُستواك يتحسن وأنك بدأت تلاحظ الفرق بين كتاباتِك القديمة والحديثة.
  • لا تكتب وأن قَلِقٌ أو متوتر أو متشنج، الكتابة في هذه الحالة تكون متدنية على جميع المستويات.
  • حدد لنفسك حصةً مَعلومةً للكتابة كل يوم، وانضبط معها، وإذا أهملتْ الكتابة يوما لسبب من الأسباب، فلابد أن تعوضه. هذه الطريقة ستختصر عليك الوقت، وستجد نفسك من الكُتَّــاب الـمُكثرين في وقت قياسي.
  • حافظ على الاستمرارية والإصرار على الكتابة، ولا تستسلم أبدا.

في مُـخـتتم مقدمة الكتاب، يُنبِّهُنا “سكوت” إلى أمر هام جدا، وهو ألا نستعجل الثمرة والنتيجة، فيقول «.. هناك الكثير من الكتاب الذين ظلوا لسنوات لا يَلْقَوْنَ أيَّ اهتمام أو قَبُــول، ولكنهم واصلوا الكتابة، واستمروا عليها دون انقطاع، لأنهم يحتضنون في دواخِلِهِم كُتّاباً حقيقين، وبإمكانك أنت أيضا أيها القارئ أن تكون مثلهم، بل هذا هو ما أنت عليه الآن حقا؛ وأنتَ تقرأ هذه الكلمات».