واقع تدريس القراءة والكتابة وصعوباته:

مُؤسسة سبارك اللغة العربية 

الدكتور حسين حاتم الحصيص

إن واقع تدريس اللغة العربية، يكاد يتشابه في كثير من البلدان العربية، مع بعض الفروق بين هذا البلد أو ذاك؛ تبعاً للحالة الاقتصادية،
ومستوى الاهتمام بالتعليم وغير ذلك، والمطّلع على واقع مدارسنا العربية، يجد ضعفاً ظاهراً لدى التلاميذ في معظم فروع اللغة العربية؛ فقد أجمعت معظم الدول العربية، على أن تدريس اللغة العربية يعاني من مشكلات، 
أدت إلى ضعف الطلبة في لغتهم القومية بشكل عام، ومن أبرز أسباب هذا الضعف مايلي:

عدم عناية مدرس اللغة العربية، ومدرسي المواد الأخرى باستخدام اللغة العربية الفصحى.
– إن منهج تعليم القراءة لا يوجد قارئاً يجاري روح العصر.
– الافتقاد إلى أدوات القياس الموضوعية في تقويم التعليم اللغوي.
– قلة استخدام المعينات التعليمية، والتقنيات الحديثة في تعليم اللغة العربية.
– كثرة مفردات قواعد اللغة العربية وتداخلها، وابتعاد الكثير منها عن الناحية الوظيفية للغة؛ فضلاً عن صعوبة القواعد واضطرابها.
– اضطراب المستوى اللغوي بين كتب المواد الدراسية، بل بين كتب المادة الواحدة.
– دراسة الآداب والنصوص لا تعمل على وصل المتعلّم بالثقافة المعاصرة، والتراث الماضي، وصلاً يظهر أثره في حياته.
– النقص في إعداد مدرسي اللغة العربية، وانخفاض مستواهم العلمي .
– بُعد اللغة العربية التي يتعلّمها الطلبة في المدارس عن روح العصر.
– قلّة المناشط المدرسية المتعلقة باللغة العربية، وعدم اهتمام معلّمي العربية بها.

وليس هذا فحسب؛ بل إن هناك أسباب ضعف أخرى كثيرة، تتمثّل في وجود جهات عديدة تأخذ على عاتقها إعداد معلمي اللغة العربية، واختلاف مستويات الإعداد بين تلك الجهات، وقلة الدراسات العلمية التي تُتّخذ أساساً لبناء مناهج اللغة العربية، وإعداد كتبها المقررة، وعدم العناية بتطبيق الطرائق التربوية الحديثة في تعليم اللغة، وقلّة الدعم المقدم لتطوير مناهجها، وغير ذلك. فالقراءة لا تأخذ نصيبها بشكل جيد؛ أثناء تدريسها في المدارس؛ على الرغم من أهميتها، وتعدد أهدافها وغاياتها، ليس في ذاتها فحسب؛ بل في باقي المواد الدراسية على اختلافها، كما يظهر أن معظم المدرسين، لا يعيرون حصة القراءة الأهمية المطلوبة؛ وذلك لاعتقادهم الخاطئ بأن تدريسها هين سهل؛ حيث يأمر المدرس تلاميذه بإخراج كتبهم، ثم يقرأ لهم، ويبدؤون بعد ذلك قراءة النص ذاته مرات عديدة، وكثيراً ما يكررون الفقرة الواحدة عدة مرات؛ بقصد الإجادة كما يزعمون.

ومع أن “للقراءة مكانة متميزة؛ من حيث الكتب الخاصة، والحصص المستقلّة في الخطة الدراسية، والعناية بها في الامتحانات، كما أنها تحظى بموقع متميز على خريطة الجدول الدراسي“، إلا أن تدريسها، لم يلتفت فيه “إلى الفهم، والنقد في القراءة، إلا في أوجه يسيرة، اقتصرت على الفهم العام والتفصيلي، دون أن تهتم بالفهم الضمني؛ مع أن إغفال المعلمين لمهارات الفهم، والتركيز على الجوانب التحصيلية المعرفية، يعد من أبرز الصعوبات التي تعتري تدريس القراءة.

وعلى ضوء ما سبق، يمكن تحديد إجراءات الطريقة التقليدية، المتّبعة في تدريس القراءة عموماً، والتي تكاد لا تخرج عن قراءة النص من قبل المدرس قراءة جهرية، ثم قراءة التلاميذ النص مرة أو أكثر قراءة جهرية، وشرح المفردات الصعبة والتراكيب المعقدة، ثم تقسيم النص إلى فِكَر، وإجراء بعض التطبيقات حوله، وأخيراً تكليف التلاميذ بحل التدريبات الموجودة في الكتاب، وبالنظر إلى الإجراءات السابقة، يمكن ملاحظة النقاط الآتية:

-١- أن هذه الطريقة في التدريس مملّة ورتيبة بالنسبة للتلميذ.
-٢- أنها لا تعمل على إظهار فاعلية التلميذ وذاتيته فيما يعرض عليه.
-٣- أنها لا تمرن التلميذ على الاستقلال في العمل بعض الشيء، ولا تترك له مجالاً يعبر فيه عما يفهم بلغته لا بلغة أستاذه.
-٤- أن أنواع القراءة – التي تعرفها المدرسة- نوعان: “جهرية، وصامتة فقط“، دون التعرض للقراءة الفاحصة الدقيقة، القائمة على
الفهم بمستوياته ومهاراته المختلفة.
-٥- عدم العناية بطرائق تدريس القراءة، وعدم مراعاة الطريقة المتّبعة الأسس الحديثة لتدريسها.
-٦- عدم مراعاة الأهداف السلوكية والإجرائية لتدريس القراءة، أو العمل على تحقيقها؛ من خلال الممارسات التدريسية الصحيحة.

وأما الكتابة، فالعناية بها أقلّ من القراءة بكثير؛ فمناهجها غير محددة أو واضحة، كما أن عدد حصصها في الجدول الدراسي قليل، ولا يراعى في تقويم الأعمال الكتابية أسس التقويم الصحيحة؛ لذلك فإن تدريس التعبير، يأخذ شكلاً اختبارياً، وليس شكلاً تعليمياً؛ وبهذا تهمل المدرسة مهارات التعبير الأساسية، ولتجاوز هذه العقبات لابد أن يتحول تعليم التعبير وتدريسه من عملية اختبارية إلى عملية تعليمية وتدريبية.

وتقوم طريقة تدريس التعبير الكتابي – غالباً- على اختيار المعلم للموضوع، وكتابة العنوان على السبورة، وذكر أبرز الفِكَر التي يتناولها الموضوع، وقد يتطرق المعلم لبعض الجمل والعبارات الجميلة، ويناقشها مع التلاميذ، ثم يقوم التلاميذ بكتابة الموضوع في الحصة ذاتها، أو في المنزل، وبعد الانتهاء من الكتابة، يقوم المعلم بتصحيح الكراسات.
وعلى ضوء هذه الإجراءات؛ يمكن ملاحظة الأمور الآتية:

-١- أن موقف المتعلّم في ظلّ الطريقة التقليدية سلبي؛ حيث لا يشارك في اختيار الموضوع الكتابي، ونادراً ما يشارك في مناقشة جوانب الموضوع وفِكَره.
-٢- أن التركيز في الكتابة يكون على المنتج النهائي “الموضوع“، دون الاهتمام بالعمليات والإجراءات التي أدت إلى إنتاجه، والتي تكاد تكون أكثر أهمية من مجرد كتابة الموضوع.
-٣- إهمال المناقشة الشفوية لفِكَر الموضوع، يلغي العملية السابقة للكتابة، وهي التعبير الشفوي.
-٤- أن الطريقة التقليدية لا تراعي العمليات العقلية العليا للكتابة، المرتبطة بالتفكير الإبداعي، وتقصر مهارات تفكير التلاميذ، على
عناصر الموضوع وفِكَره فقط.
-٥- أن الطريقة التقليدية لا تراعي ميول التلاميذ واهتماماتهم، وكذلك الفروق الفردية بينهم.

ومن جوانب الضعف والقصور المهمة والمرتبطة بطريقة التدريس، عدم مراعاتها لجوانب الدافعية والميل نحو القراءة والكتابة؛ على الرغم من أن تأثيرها مباشر في العملية التعليمية، فإما أن يكون المتعلم راغباً في التعلّم مقبلاً عليه، وإما أن يفقد ميله نحو الدراسة فينعكس هذا سلباً على فهمه القرائي وأدائه الكتابي، فالصعوبات المرتبطة بقراءة التلاميذ – مثلاً- تستند غالباً إلى مدى إقبالهم وميلهم إلى النص القرائي، وأن التلاميذ يمكن أن يحسنوا فهمهم؛ من خلال معرفة طريقة تقديم المعلومات؛ والوعي بالعمليات المعرفية المتضمنة في القراءة، والتي للمعلم دور كبير فيها.

ومن الصعوبات الإجرائية المرتبطة بتدريس القراءة، أن بعض المدرسين لا يهتمون في دروس المطالعة؛ بخلق الجو الذي يبعث على نشاط التلاميذ، ويثير رغبتهم في القراءة، إضافة إلى تركيز بعض المدرسين، في دروسهم على طريقة واحدة، أو ليس لديهم القدرة على التنويع في الطرائق، و”عدم محاولة الكثير منهم الربط بين دروس القراءة، وألوان النشاط اللغوي، الذي يحتاج إلى القراءة والاطّلاع“.
وبعد هذا العرض الموجز لصعوبات تدريس القراءة والكتابة، وبعض جوانب الضعف والقصور فيها، يظهر أن هناك حاجة إلى إعادة النظر في مناهج القراءة والكتابة، وكذلك تطوير طرائق تدريسهما؛ من أجل تحقيق أسمى أهداف القراءة والكتابة، وهي بناء الإنسان المفكّر والمتدبر، والقادر على مواجهة الحياة والنجاح فيها، في ظلّ تطورات العصر، والتفجر المعرفي الهائل على كافة الأصعدة؛ حيث لم تعد الأمية تقتصر على معرفة القراءة والكتابة، وإنما تكمن في عدم القدرة على توظيف هذه المعرفة في مواكبة هذا التقدم، ومواجهة تلك التحديات .