نظريات الذكاء “رؤية تاريخية”

مؤسسة “سبارك اللغة العربية

الدكتور حسين حاتم البصيص

يشير الذكاء نظرياً إلى “قدرة الفرد على إحداث تكيفات جديدة معالبيئة”، ويعد العالم “ألفريد بينيه” Binet Alfred ،أول من أشار إلى مصطلح الذكاء بشكل عملي؛ منذ ما يقارب المئة سنة، حين وضع أول اختبار فردي عملي للذكاء؛ لقياس القدرة العقلية العامة، وذكر أن الذكاء، “يشير إلى وجود قوة مفردة وحيدة” لدى الإنسان، تتمثّل في القدرة على اكتساب المعرفة وتطبيقها، والقدرة على التفكير والاستدلال. وعلى ضوء هذا التحديد، اقتصر الذكاء على الجانب المعرفي (الإدراكي)؛ ليشير بذلك إلى ثلاث قدرات معرفية (إدراكية)، هي:
– التوجه: وهو معرفة الفرد لما يجب عمله، وكيف يمكن عمله.
– التكيف: وهو اختيار الفرد، ومراقبته لإستراتيجيات أداء المهمة.
– التحكّم أو السيطرة: وهي قدرة الفرد على التحكّم بذاته، وانتقاد أفكاره وأحكامه الخاصة.

استمر مفهوم الذكاء على هذا المنوال لعقود طويلة، إلى أن ظهرت نظرية الذكاءات المتعددة عام ١٩٨٣م، ولكن منظور تعددية الذكاء، لم يكن عبارة عن طفرة، وليدة تلك الفترة؛ بل ربما ترجع جذور هذه النظرة إلى “ثورندايك” Thorndike ،الذي أشار إلى وجود عدد من القدرات الخاصة، أو عدة أبعاد أو جوانب للذكاء، وربما يكون هو أول من نبه إلى إمكان تصنيف الذكاء إلى أنواع متعددة، حين أشار إلى أن الذكاء نتاج عدد كبير من القدرات العقلية المترابطة، وصنّف الذكاء على أساسها إلى ثلاثة أنواع رئيسة، هي:
– الذكاء المادي أو الميكانيكي: يتجلّى في المهارات اليدوية والحسية الحركية.
– الذكاء المجرد: يتمثل في القدرة على فهم الأفكار والمعاني، والرموز، والمجردات، ومعالجتها.
– الذكاء الاجتماعي: يتمثّل في القدرة على فهم الآخرين، والتعامل معهم.

وفي الأربعينيات من القرن العشرين، جاء عالم النفس الأمريكي “ثورستون” Thurstone؛ ليميز الذكاء؛ بأنه يشمل سبع قدرات عقلية أساسية هي: “الطلاقة في المفردات، والفهم الشفوي، والقدرة المكانية، والسرعة في الإدراك الحسي، والقدرة العددية، والتفكير الاستنتاجي، والتذكر”.

وممن أشار – أيضاً- إلى فكرة تعددية الذكاء “فؤاد أبو حطب”، بعد سلسلة من البحوث التي أجراها، والتي ربما بدأت منذ عام ١٩٧٣م؛ حيث حدد ثلاثة أنواع من الذكاء، هي: “الذكاء الموضوعي، والذكاء الشخصي، والذكاء الاجتماعي”.

وإذا كانت نظرية الذكاءات المتعددة، قد أشارت إلى تأثّر الذكاء بالسياق الثقافي؛ فهناك من سبقها في هذه الإشارة، من أمثال العالم
“ستيرنبرغ” Sternberg ،الذي أكّد “أن السلوك يجب أن ينظر إليه ضمن سياق ثقافي معين؛ فالسلوك الذي يعد (ذكياً) في ثقافة ما، قد يكون غير ذلك في ثقافة أخرى، وأكّد أن اختبارات الذكاء الحالية تركّز على “الكم”، أي مقدار ما يتعلّم الشخص؛ بدلاً من كيفية اكتساب الفرد للمعرفة أو المهاراتالجديدة”.