نحو تاريخ جديد لأدب الأطفال (3)

مؤسسة “سبارك اللغة العربية

تأليف : ســيث ليــرر
ترجمة: د. ملكة أبيض

يرى بعض القراء في أدب الأطفال رفاً من القبعات: كتباً تعليمية، عملية، مفيدة، تدفئنا أو تقينا من تقلبات الطقس. أما أنا فأرى أن أدب الأطفال عالم من الثعابين: أشياء مغرية تعيش تحت السطح، ويمكن أن تبتلعنا. وقد صادفت كتباً ابتلعتني، على غرار »الأمير الصغير«.

وكتابي هذا مملوء بالحيوانات، سواء أكانت كائنات تملأ مجموعة إيسوب، أو تعمر الجزر والقارات التي امتدت إليها مخيلة الاستعمار وأساطيله.
ولكن كتابي ممتلئ أيضاً بالقبعات من غطاء رأس الماعز في »روبنسون كروزو« إلى الغطاء المخطط بالأحمر والأبيض الذي لا يكاد يغطي مراوغات الهر الشهير للدكتور سوس.

إن كل عنصر يتعرض لتفسير، وكل عنصر يمثل اختباراً يكشف نوعية القارئ. وهناك عمل شديد الحداثة في النقد الأدبي أبرز هذه الاختلافات، فقد تراجعت الدراسات التي تركز على نوايا المؤلفين خلال العقود الثلاثة الأخيرة أمام تواريخ المستقبـ ِلين، تلك التي تظهر أن معنى العمل الأدبي يكمن غالبا ً في الطريقة التي يستخدم بها، أو يجري تعليمه، أو قراءته، أو الاقتباس منه، أو حتى نقله أو بيعه.

وقد لخصت الناقدة »فيكتوريا خان «Victoria Khan في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، هذه المقاربة بقولها : »إن هدف الدراسات الأدبية يجب ألا يكون تفسير النصوص، بل دراسة مواضعات التفسير المتفق عليها، وبالتالي مواضعات إنتاج النصوص واستقبالها في الفترات التاريخية المختلفة«.

فتاريخ أدب الأطفال يقدم سردا ً لمواضعات تفسير النصوص واستقبالها في الفترات التاريخية المختلفة. ولكن الأعمال نفسها تركز على موضوعات تجمع بينها قواسم مشتركة في الغالب.

ففي معظم الأحيان يقوم الكتاب بتعليم الطفل فنون القراءة. وقد يسرد قصصا ً حول إنتاجه، أو ربما يدل ّنا إلى كيفية تحويل حياتنا الخاصة إلى كتب ونصوص. وما يميز العديد من الأعمال التي أدرسها هنا هو بالضبط هذا التعليم في طرائق إعطاء المعنى للإشارات والرموز والحروف والحياة.

إني أرى نفسي مفتونا ً بتحولات الكتب الرئيسية والكت ّاب الكبار عبر الزمن. فمسيرة خرافات ايسوب، على سبيل المثال، تكتب في الغرب تاريخا ً للتربية، والحياة العائلية، واللغات، والترجمات، والمخطوطات، والمطبوعات، وحتى التقنيات الرقمية.

واستقبال روبنسون كروزو لـِ »ديفو «Defoe وإعادة كتابته أيضا ً، يوضح الرؤى المتغيرة للمغامرة والتخيل، لا في البلدان الناطقة بالإنجليزية ومستعمراتها فحسب، بل في أوروبا، وآسيا، والأمريكتين.

واستمرت المدرسة مسرحا ً لأدب الأطفال من العهود القديمة اليونانية والرومانية إلى العصر الحالي:
فالقديس أوغسطين يتذكر في »اعترافاته« كيف كان عليه حفظ أجزاء من »الإنياده« حين كان تلميذاً.

ومدارس العصر الوسيط وعصر النهضة، كانت منشغلة بإيسوب وخرافاته؛ وفتيات القرن الثامن عشر كن يحصلن على خبرتهن من كتاب  »The Governess« المربية «Sarah Fielding» »ساره فيلدنغ «، الذي حمل العنوان الفرعي »أكاديمية الأنثى الصغيرة«.

والصِبية من »توم براون «Tom Brown إلى »هاري بوتر «Harry Potter كانوا يجدون مغامراتهم المسرفة في الخيال في الصف، أو المكتبة، أو الملعب.

لقد وجدتُ خلال هذه القصص صوراً وعبارات تطبع لحظات محددة في التاريخ الأدبي: قوائم وأدِلّة، على سبيل المثال، سيطرت، كما يبدو، على كل شيء من مقتطفات هوميروس في أوراق البردي اليونانية، إلى أبجديات العصر الوسيط وعصر النهضة، إلى قوائم روبنسون كروزو، إلى محتويات »الغرفة الواسعة الخضراء« في »ليلة سعيدة يا قمر …«Goodnight Moon إن العديد من كتب الأطفال في القرن العشرين تُعلِّم فكرة تنظيم القوائم. أليست »ليلة سعيدة يا قمر« دليلاً لأشياء، أو قائمة بصفات واقعية أو خيالية تشير إلى تقدم المساء والانتقال إلى النوم؟ وإذا كان أدب الأطفال مملوءاً بالقوائم، فهو ممتلئ أيضاً بالمسرح، على ما يبدو. وقد كانت غرفة الصف من أيام القديس اغسطين إلى شكسبير، مكاناً للأداء المسرحي، نظراً لأن الصبية كانوا يحفظون نصوصاً كلاسيكية، ومناقشات خطابية، ويلقونها، ويمثلونها أمام المعلم .

وكانت ملاعب الركبي، أو ميادين المعارك في إفريقيا، في القرن التاسع عشر، مسارح كبرى لمخيلة الشبان. كما أن الشابات كن يقِمن عروضاً مسرحية. ولكن الجمهور هنا كان في معظم الأحيان سلمياً عائلياً وليس حربياً .

كان المشهد المسرحي يأسر أغسطين الشاب. ولكنه كان يأسر أيضاً الشابة لويزا ماي الكوت Louisa May Alcott التي كانت تطمح إلى حياة التمثيل، وبدأت كتابها »نساء صغيرات« بمسرحية صغيرة أخرجتها الأخوات مارش.

إن جزءاً من اهتمامي هنا يكمن في الطرائق التي يمثّل فيها طفل الأدب أمام الآخرين. وإذا كان هناك مسرح للأطفال، ولا سيما في العصر الحديث، فإنه يدين بشكل كبير لشكسبير. ومسرحيات مثل »حلم ليلة صيف«، وشخصيات مثل »جولييت« و»اوفيليا« كان لها أثر كبير في صنع أدب الأطفال، منذ منتصف القرن التاسع عشر. لقد كان العالم مسرحاً، ولكنه كان أيضاً كتاباً، وعلى الأخص كتاباً للطبيعة.

فقد كانت المؤلفات من العصر الوسيط، عن الحيوانات، والنباتات، والأحجار الكريمة، تقدم أدلّة مصورة عن مخلوقات االله. وكان كل عنصر يصور، ويشرح، ويشار إلى المعنى الأخلاقي الذي يستخلص منه.