نحو تاريخ جديد لأدب الأطفال (2)

مؤسسة “سبارك اللغة العربية

تأليف : ســيث ليــرر
ترجمة: د. ملكة أبيض

مع أن رأي آرييس أفاد في التخفيف من العاطفية التي ترافق العمل مع الأطفال، إلا أنه لقي معارضة من علماء بارزين بينوا وجود شروط ثقافية مختلفة للطفل عبر التاريخ. والطفولة – كما يقولون – ليست من اختراع المحدثين، بل هي فئة متغيرة تأخذ معناها من علاقتها بالمراحل الأخرى للنمو، وبالحياة العائلية.

فاليونان، والرومان، والبيزنطيون والأنكلوسكونيون وحركات عصر النهضة، والثقافات الثورية… هؤلاء جميعاً كانت لديهم مفاهيم محددة بوضوح حول الطفل، وكانت لهم بالمقابل معايير لأدب الأطفال.

فالأطفال، كما يقول »ماركس وارتوفسكي ، Marx Wartofsky« فيلسوف القرن العشرين هم »ما يعده الآخرون وما يعدون أنفسهم كذلك، خلال اتصالهم الاجتماعي وتفاعلهم مع الآخرين«.

وهكذا فإن أدب الأطفال يتمثل في الكتب التي يجري تداولها في الطفولة، تلك التي تنمي التواصل الاجتماعي، والتي تعلِّم وتبهج، خلال تفاعلها مع القراء…

وهذا الكتاب يعرض تاريخاً لما سمعه الأطفال وقرؤوه: قصصهم، أناشيدهم، ألعابهم، المراجع التي تم تأليفها حول هذه الموضوعات، أو التي جرى تكييفها للقراء من أعمار مختلفة. مما جعلني أميز بين ما كُتِب خصيصاً للأطفال، وما قرأه الأطفال بغض النظر عن الغرض الأصلي للكاتب.

وهذا التاريخ الذي أكتبه هو تاريخ استقبال ومستقبـِلين. وربما كانت أفضل طريقة لإيضاح موقفي هي النظر في كتب الأطفال نفسها.
في بداية كتاب »انطوان دوسانت اكسوبري« »الأمير الصغير«، يذكر الراوي أنه رأى، حين كان في السادسة من العمر، صورة لثعبان كبير يبتلع حيواناً . ويتذكر »فكرتُ طويلاً…« ورسم ذلك بنفسه. وحين أظهر الرسم للكبار وسألهم ما إذا كانت الصورة قد أخافتهم، أجابوا: »ولماذا يخافون من صورة قبعة؟« وبالطبع لم يكن ذلك قبعة ولكن ثعباناً كبيراً يهضم فيلا.

أعاد الصبي رسم الصورة ليظهر ما بداخلها، ولكن الكبار لم يتأثروا بها. وكرر الأمر مرات دون فائدة. وأخيراً أقلع الطفل عن مهنة الرسام الفنان قائلاً إن الكبار لا يفهمون شيئاً، ومن المتعب للصغار أن يفسروا لهم الأشياء دائماً.

إن الفئات المختلفة من القراء يمكن أن ترى أشياء مختلفة، وما يراه الكبار أشياء عادية يمكن أن يتحول في مخيلة الصغار إلى أشياء خارقة.

هذه القصة تمثل نوعين من قراءة الأدب. فإما أن ننظر إلى ما يبدو لنا كقراء، وإما أن ننظر إلى ما يعنيه الكاتب. والشخص ضعيف المخيلة سيرى دائماً العادي في الغرائبي، أي أنه سيرى قبعة فيما يمكن أن يكون ثعباناً يهضم فيلاً. 

لذلك كان جزء من التحدي الذي يواجهه الناقد الأدبي يتمثل في الموازنة بين نية المؤلف واستجابة القارئ. ولكن الجزء الآخر من التحدي الذي يواجهه ناقد أدب الأطفال يتمثل في الاعتراف بأن النصوص قابلة للتحول، وأن المعنى يتغير، وأن الجماعات المختلفة من القراء يمكن أن ترى أشياء مختلفة، وأن ما يراه الكبار على أنه أشياء من الخبرة العادية يمكن أن يتحول في مخيلة الأطفال إلى تألق خارق.