سلسلة : الدليل المنهجي للكتابـة باللّغـة العربيــة.

المقال الرابع

الحسين بشــوظ
مؤسسة “سبارك اللغة العربية”

——————————————————————————-

وأنتَ تُطالِع مقالاً في صحيفة، أو بحثاً في مجلةٍ مكتوباً باللغة العربية، لابد أن تُصادفَ الكثير والكثير مِن الكلمات المكتوبة بشكلٍ خاطئ، والتي تُفيدُ معانٍ أخرى بعيدةٍ كلَّ البُعدِ عن مَقصَدِيّة الكاتب. هذه الكلمات ليست وليدةَ أخطاءِ الـرَّقن ، ولكنها أخطاءٌ شائعةٌ تَوَلَّدَت نتيجة الخَلْطِ غير المقصود بين الحروف العربية، هذا الخلطُ ناتجٌ بالدرجة الأولى عن الجهل بهذه الحروف، ثم بِعدَمِ الوعيِ بها، فَضْلاً عنِ الـوعيِ بِـشروطِ وأماكِنِ استعمالِها.
يَتِمُّ تلقي كمٍّ هائلٍ من المقالات والبحوث المليئة بأخطاءِ “خَلْطِ الحروف ” بشكل دائم ومستمر، وبـِجُرُعاتٍ كبيرة مِن لَدُن شريحة عريضة من القُرَّاء العاديين والأكاديميين. مما أنتجَ لنا ما يُشبه لُغةً عربية أخرى (مكتوبة) موازيةً للعربية الفصيحة، وذلك عن طريق الاستعمال الخاطئ للحروف في بناء وتشكيل اللفظ (الكلمة)، مما يؤدي مباشرة إلى إنتاج كلماتٍ وألفاظٍ أخرى غير مقصودة .
كلُّ جاهلٍ بالحروف العربية يتجرَّأ على الكتابة، فهو يساهم مِن حيث لا يدري في تعميق معاناة اللغة العربية، وتكريسِ مشاكِلِها المتوالية والمركبة، وحتى لا يُفهَم كلامُنا على أنه تحريمٌ للكتابة على غير الـمُجِـيدين للغة، فإننا نقصد بهذا: الكُتَّابَ المحترفين أو المحسوبين على الفئة الأكاديمية، الذين يقرأُ لهم حشدٌ غفيرٌ من الناس، إنهم أولئك الذين يكتبون في الصحف والـمجلات وفي الدوريات الـمحكَّمة وغيرها من المنابر المقروءة دون أن يكون لهم إلمام بالحروف العربية ووظائِفِها. أمّا هواةُ الكتابة والذين يتمرنون على الكتابة والتأليف في بداية مشوارِهم فلا نَعنيهِم إطلاقا، والأخطاء التي يرتكبونها ضرورية للتعلم، وهي الطريق الذي لابد منه للوصولِ إلى احتراف الكتابة.
إذا كان العربُ اليوم (النخبة التي تكتب) لا يُميزون بين حروف لغتِهم، ولا يعرفون مواطن استعمالِها، فكيف يمكنهم أن يُعبّروا بها وينقلوا بها معارفَهم وعلومَهم ؟!.
هذه البلوى سببُها بالدرجة الأولى، الصحفُ والجرائد والمجلات التي يُطبع منها ملايين النسخ يوميا في وطنِنا العربي، حيث صار بإمكان أي كان أن يصير صحفيا ويكتب وينشر، وصارت الصحف والجرائد استثمارا وتجارة، قبلَ أن تكون تخصصا. فوصلنا بهذه اللامبالاة إلى الحد الذي صار فيه الكُتَّابُ والقراءُ على حدٍّ سواء يستعملون الحروف العربية في غير موضِعِها، وبالتالي يكتبون ما لا يَعْنُون، ويقولون ما لا يقصدون. ويمكننا أن نُجمِلَ هذه الأسباب في عَدَمٍ فهم طبيعة ووظيفة الحروف العربية، واللامبالاة بالاختلالات التي تحدث أثناء الكتابة، واستصغار الأمر وتهوينِه والتهاوُنِ فيه.
بعض الأمثلة لأخطاء خَلْطِ الحروفِ في اللغة العربية
بعضُ الكُتَّاب لا يُفرقون بين حرفيْ (الياء /ي) و(الألف المقصورة / ى)، فيكتبون لفظة (على) بهذه الطريقة (علي) فينتقل المعنى مباشرة من حرف جرّ (على) إلى اسم عَلَم وهو (عليٌّ).
نفس الشيء يحدث مع لفظة (إلى) التي هي حرف جر كذلك، حيث يكتبُه كثيرٌ من الكُتَّاب بالياء (إلي) فيَخرجُ الحرف عن معناه لتصبح (إليَّ) بمعنى (يعود لي / أحضره لي / يخصّني …)، ومثال آخر عندما يريد البعض كتابة عبارة (الله تعالى) فيكتبها خطأ بإثبات الياء مكانَ الألف المقصورة؛ فتُصبح العبارة (الله تعالي) منادا بصفة التأنيث أي (تعاليْ أنتِ/ أنتِ تعاليْ ). الذي هو (اسم فعل الأمر للمخاطَبة). وهناك الكثير والكثير من الكلمات التي تنتهي بالياء المقصورة كـ (أخرى) يكتبها البعض (أخري) أو العكس، كما أن الكلمات التي تنتهي بالياء يكتبونها بالألف المقصورة. والبعض لا يُفرق بين التاء المربوطة (ة) والهاء المتطرفة (ـه) فيكتبون لفظة (عليه) بهذه الطريقة (علية) فيتحول المعنى مباشرة إلى اسم عَلَم، أو يكتبون كلمة (تفاحة) بهذه الطريقة (تفاحَه) فيتحول المعنى وينقلب بشكل كليّ تاما، فكلمة (تفاحة) اسم ، أما كلمة (تفاحَه) فأصبحتْ كلمتين (تفاحة + الهاء) والهاء هنا ضمير متصل تقديرُه هو (الفاعل)، أي (صاحبُ التفاحة). والشيء نفسُه بالنسبة لكثير من الكلمات كـلفظة (كاملة) التي تصبح (كامله).
نفس الإشكال يحدث عندما يتم إثبات ياء التأنيث في المواضع التي لا تُثبَتُ فيها، مثل (لكِ) التي يكتبُها البعض (لَكِي) والتي تُقرأ (لِكيْ) فينقَلِبُ المعنى بشكل كامل.
إن خلط وتَغْيِيرَ الحروفِ الذي يَسْتَسْهِلُهُ البعض، يؤدي مباشرة إلى تَغْيِير الكلمة، وبالتالي تغيير المعنى، وربما يؤدي إلى اللامعنى بالمرة.
فمثلاً الجهل أو اللامبالاة بالتفريق بين حرف الظاء (ظ) وحرف الضاد (ض) في مثال: (ضلَّ) و(ظلّ)، حيثُ الأولى تعني (تَاهَ وضاع) والفِعل مُشتقٌّ من كلمة (الضلال) وهو الخروج عن الحق، أما (ظلَّ) فتعني (مكَثَ وبقيَ ودامَ واستَمَرَّ).
هناك نماذج كثيرة ومتنوعة لمشكل خلط الحروف في اللغة العربية، وهذا الأمر ملاحَظٌ بشكل جليٍّ وواضح في الكتابات المصرية (على سبيل المثال لا الحصر)، بعض الكُتَّاب لا يميّزون بين حرف (الذال) المعجمة (ذ) وحرف الزاي (ز)، فيَكتب لفظة (رذيلة) بالزاي بَذَلَ الذال فتُصبح (رزيــلة)، أو يكتُبُ كلمة (ذرة) بهذه الطريقة (زرَّة) ناهيك عن انتقال اللكنة العامية (المصرية بالخصوص) إلى اللغة الفصيحة (المكتوبة) من قبِيلِ (إِسْبُوع) بدل (أُسبوع)، و (إِنتَ) بدَل (أَنْتَ) …. وغيرُها كثيرٌ من أخطاء خلطِ الحروف.
ربما تمر هذه الأخطاء على القارئِ العربيّ، سواءً العاديّ أو المتخصص، من خلال محاولةِ فهمِهِ لمقصَديَّة الكاتب مِن السياق مباشرة، دون إيلاء أدنى اعتبار للرسم (الكتابة)، ولكن القارئَ غيرَ العربيَّ الذي تَعَلَّمَ اللغة العربية وِفقَ ضوابطِها وقواعِدِها الصحيحة، سيجدُ نفسَه وهو يقرأ هذه المقالات أو هذه البحوث، أمام نصٍّ طَلْسَمِيٍّ مليءٍ بالألغاز وغير قابلٍ للفهم، لأن الكلمات الموظفة فيه مأخوذة من حُقول ومجالاتٍ مختلفة ومتباعدة، وتحمل معانٍ متضادة ومتناقضة في بعض الأحيان، وخارج السياق تماما في أحايين كثيرة.
إننا بهذه الأخطاء ومِن حيث لا نَشعر، نقوم بخلق لغة (غير فصيحة) موازيةٍ للغة العربية الفصيحة، تعتمدُ التبديل غير المقصود لوظيفة حروف اللغة العربية، والخطيرُ في هذا الأمر، أن هذه اللغة الموازية تقتحم كل المعارف وكل التخصصات وكل الحقول المعرفية العربية أو الـمُـعرَّبة، إنها كالسوسة تَنْخُرُ بنية لغتِنا العربية مِن داخلِ نَسَقِها اللغوي، وتقتُلُها بِـبطء يوما بعد آخــر، وتُساهم بدرجة كبيرة في الحد من إمكانياتِها التعبيرية والعلمية والمعرفية الكبيرة والا محدودة.