مدارس التعلم الذكي STEM

مُؤسسة “سبارك اللغة العربيّة”

الأستاذ محمود إبراهيم سعد

نظام STEM هو أحد الأنظمة التعليمية العالمية المعاصرة والمتقدمة، وهذه الأربعة حروف اختصار لأربع كلمات هي Science – technology – engineering – math، وتعرف مدارس STEM في الكثير من بلدان العالم باسم مدارس الفائقين، وهي مدارس تستهدف بالدرجة الأولى طلاب المرحلة الثانوية النابغين ممن أنهوا المرحلة الإعدادية ويتم عمل اختبارات قبول للطلاب بها؛ لانتقاء الأفضل منهم، وذلك تحقيقًا لمبدأ العدالة والشفافية في الاختيار.

والسؤال الآن: لماذا اتجهت العديد من دول العالم لهذا النظام من التعليم؟

لقد اتجهت العديد من دول العالم شرقا وغربا لهذا النظام من التعليم نظرا لما يتميز به من عمليات وإجراءات وإستراتيجيات تجعل عمليتي التعليم والتعلم بأنها متمحورة حول الطالب؛ فالطلاب أنفسهم هم من يبحثون عن المعرفة وينتجونها، ولا يكونون بحال من الأحوال متلقين لها فحسب مثلما يحدث في أنظمة تعليمية أخرى؛ فدراسة الطلاب وعملية تعلمهم في هذه المدارس تعتمد أساسا على البحث والتجريب وعمل المشروعات وإنتاج المعارف المختلفة، ولذلك نجد أن منظومة التقويم في هذا النظام التعليمي تختلف بصورة كبيرة جدا عن غيرها في الأنظمة التعليمية الأخرى ؛ حيث يقوم نظام التقويم بشكل أساسي على قياس مقدار نواتج التعلم لدى الطلاب ، والتي تظهر غالبا في صورة عملية تطبيقية من خلال قيامهم بمشاريع تطبيقية وتجارب عملية بأسلوب علمي سليم.

ومن يتأمل في نظام STEM العالمي يجد أن الطالب يتعلم بجانب المواد العلمية والمعارف المختلفة العديد من المهارات العرض والتقديم، ومهارات التناظر والنقاش، ومهارات البحث العلمي، بالإضافة إلى مهارات التقويم والقدرة على اتخاذ المهمة، مثل:

1- مهارات التفكير الإبداعي والتفكير الناقد والتفكير الابتكاري.

2- مهارات العمل الفريقي والعمل الجماعي.

3- مهارات القرارات.

وعلاوة على ما سبق نجد الطلاب يحققون نواتج التعلم المختلفة من خلالها قيامهم بمشاريع تتكامل فيها المواد الدراسية المختلفة مع بعضها إلى جانب ربطها بالتكنولوجيا، وغالبا ما تستهدف تلك المشاريع بعض التحديات المجتمعية المحلية والإقليمية والعالمية، وتسعى لوضع حلول للتغلب عليها ومواجهتها بصورة علمية ومبتكرة.

ومن الملاحظ أنه في نظام التعليم الحالي في الكثير من البلدان نجد مراحل الدراسة المتعاقبة من مرحلة الروضة وحتى نهاية المرحلة الثانوية يدرس الطلاب فيها الرياضيات والعلوم كمواد دراسية منفصلة وبمعزل عن مادة التكنولوجيا التي تعتبر من أهم المواد التي نستخدمها في حياتنا العملية واليومية ومن دون دراسة الهندسة التي لا غنى عنها، ولكن الحياة العملية تؤكد أن دراسة العلوم تعتمد على الرياضيات والحسابات مع الهندسة واستخدام التكنولوجيا المختلفة، وكذلك دراسة الهندسة نستخدم فيها الأساليب العلمية الحديثة والمتطورة التي نبحث عنها ونطبقها باستخدام التكنولوجيا من دون الاستغناء عن الرياضيات ؛ إذن هذه المواد الدراسية المختلفة مترابطة وعند دمجها معًا ستقدم للطالب تطبيقات عملية لما يحدث في الحياة الحقيقية من حوله وليس فقط معلومات وقوانين نظرية لا يستفيد بها خارج حدود الكتاب والمدرسة، ولذلك كما قلنا سابقا إنه في نظام STEM تقل المحاضرات النظرية ، ويكاد ينتهي أسلوب الإلقاء ليحل محله العديد من الأساليب العملية والتطبيقية التي يقوم بها الطلاب أنفسهم بإشراف وتوجيه المعلم الذي تمركز دوره حول التيسير والتدريب والدعم والمساندة والتشجيع بمختلف أنواعه.

ونلاحظ في بعض الدول أنه عند دخول الطلاب تلك المدارس (STEM) أنهم يتسلمون “جهازًا لوحيًا أو لابتوب” يعملون به أثناء دراستهم؛ حيث إن دراستهم تعتمد بشكل أساسي عليه، فلا يوجد كتب ورقية أو ما يرتبط بها من كتيبات للأنشطة وغيرها، فقط نواتج تعلم يسعى الطلاب إلى أن يلموا بها، ودور المعلم هنا التيسير والإرشاد والتوجيه أكثر منه الإلقاء والمحاضرة والتنظير.

وقد كانت بداية نظام “STEM” في الولايات المتحدة الأميركية عندما أوصت الأبحاث بضرورة البحث عن طرائق ووسائل لتحبيب الطلاب وجذبهم لتعلم العلوم والرياضيات وذلك بعدما أكدت الإحصاءات عزوف الطلاب عن دراسة تلك التخصصات، ففي عام 2003 كان 4% فقط من الطلاب الجامعيين في أميركا قد تخصصوا في العلوم الهندسية، مقابل 13% في أوروبا، و20% في آسيا. وتشير الإحصاءات أيضا أنه في عام 2009 تسرب ما يزيد على مليون طالب أميركي من التعليم بمعدل 7000 طالب يوميًا ولم يتموا شهاداتهم الثانوية، وتقريبًا ثلث الطلاب المتخرجين من الجامعات الأميركية أخيراً هم من الطلاب غير الأميركيين. ومن هنا كان البحث عن بديل لنظام التعليم التقليدي ضرورة حتمية، ويعتبر نظام “STEM” منقذًا لنظام التعليم الذي لم يعد مقبولا من قبل الكثير من الطلاب في العصر الراهن.