سِلسلة: الدليل المنهجيّ للكتابة باللغة العربية.

المقال الثانــي:

لِكَيْ تَكونَ كاتباً ناجحاً

الحسين بشـوظ

مؤسَّسـة سبّارك اللغة العربية

إذا كنت تَطمح إلى أن تكون كاتباً حقيقياً، مُحترفاً وناجحاً؛ فهذا المقالُ مُعدٌّ لكَ خِصِّيصا

كلُّ من يمارسُ عملية الكتابة، إلاَّ ويَطمح لأن يكون كاتبا ناجحا، محترفا ومتميزا، بِغَضِّ النظر عن التخصص الذي يكتُبُ فيه، وسواءً أظهر هذا الطموح أو أخفاه في قرارة نفسه، ولكن الطموح والرغبة وحدَهُما على أهمِّيتِهِما لا تكفيان لتحقيق هذا الهدف، فلِكل مهنة أو صنعة أو حرفة شروطُها وألياتُها وضوابطُها. وفِعْلُ الكتابة ليس مُستثنىً مِن هذه القاعدة. فلكيْ تكون كاتبا ناجحا ومحترفا لابد لك من الإلمام بمجموعة من الأمور الهامة التي يتغافل عنها كثيرٌ مِن الـمُمارسين  لِمهنة أو هواية الكتابة، في حين يجهلُها معظمُهم ولا يعرف عنها أيَّ شيء.

كلٌّ مِنَّا عندما يَهُمُّ بالكتابة، فإنه يتوقع أن تصل كتاباتُه (مقالات / كتب / أبحاث / خواطر ..) إلى قارئ افتراضي سيقرأُ ما نكتبُه. وهذا القارئ الذي نفترِضُه، هو بالدرجة الأولى قارِئٌ مثاليٌّ، عالِمٌ، عارفٌ وماهر باللغة كذلك، وبالتالي يتعين علينا كسبُ هذا القارئ، وعدم التفريط فيه، وتحبيبُ كتاباتِنا له. وللوصول إلى هذا الهدف يجب اتباع خطوات بسيطة جدا منها:

  • عدم استغفال القارئ

في عصر السرعة وثورة الاتصال التي نعيشها اليوم، حيث الملايين من الناس عبر العالم يكتبون يوميا ملايين الصفحات، ويؤلفون آلاف الكتب يوميا، تكون حظوظكَ في الحصول على عددٍ مقبول من القُراء تحديّاً حقيقيا، لذلك يتوجب عليك الكتابة بطريقة جذابة ومثيرة تجعل كل من يقرأ بضع كلمات من مقالِك يستسلم لقراءة المقال كلِّه، يلزمك لتحقيق هذه الجاذبية استخدام لغة جذابة، تتوافق مع نوعية الموضوع الذي تكتُبه (فإذا كان المقال علميا مثلا، يتوجب عليك الابتعاد قدر الإمكان عن الإنشاء، واستعمال الكلمات المجازية والاستعارية، يجب أن توظف لغة واضحة بمفاهيم ومصطلحات واضحة ومفهومة ، واستعمال جُملاً قصيرة عِوَض الـجُمل الطويلة، مع تعزيز المقال بالأمثلة الشارحة، يجب عليك توضيح القضية التي ستعالـِجُها في الأسطر الأولى للمقال (المقدمة) وتُعجِّلَ بقضية المقال لمعالجة الموضوع، ثم تنتهيَ في الأخيرة إلى نتيجةٍ مُعيَّنة. يجب أن تُركز على العنوان، فالعنوان المثير يجتذب القراء، ولكن يجب أن تكون آمينا في استمالة القارئ وتفترض دائما أن هذا القارئ عالٍمٌ وعارف ويستحيل خِدَاعُه، ويجب على العنوان المثير أن يعكس جودة المقال.

  • عدم إرهاق القارئ

عندما يُـحس القارئ بأن ما يقرؤُه ركيكٌ على مستوى اللغة، أو مُفرطٌ في الطول من حيث عدد الصفحات، حيث يغلب عليه الإنشاء، ولا يجد معلومةً واحدة إلى بعد أن يقرأ  صفحةً كاملةً أو أكثر، فإنه يمتنع عن مواصلة القراءة. كل هذه الأمور تُرهق القارئ، وتجعه يستغني عن قراءة مقالِك. مهما بلغة درجة تخصصه أو قيمته العلمية، فهناك تفصيل بسيطة قد تحكم على مقالِك بالفشل، وتحكم عليك أيها الكاتب كذلك بالفشل. فكما سبق وذكرنا، هناك ملايين من الناس حول العالم يكتبون كل يوم، ولكن الكُتَّاب الحقيقيُّونَ قليلون جدا، ومعدودون على رؤوس الأصابع، فحاول أن تكون أنتَ واحداً منهم.

لا تَطمَح إلى أن تكون مِن الكُتَّاب المُكثرين

في بداية مشوارك لِأن تُصبح كاتبا ناجحا، لا تهتمَّ كثيراً بكمية المقالات التي تكتبُها، بل ركز على جودة ما تكتب، فالكثرة لا تعكس الجودة أبدا، هناك كُتَّاب حول العالم يكتبون مقالا واحدا كل ثلاثة أشهر، وقبل صدور المقال تجد آلاف الناس ينتظرونَه بفارغ الصبر، هذ النوع من الكُتَّاب تتسابق عليهم كبريات الجامعات والمعاهد العالمية والمجلات والصحف العالمية. الكثرة شيء جميلٌ وجيد، ولكنها خطوة متقدمة ستأتي فيما بعد، وذلك بعد أن تُـمرّن نفسك على الكتابة بالطريقة العلمية والمنهجية الصحيحة، وِفق الضوابط المتعارف عليها أكاديميا.

 لِكيْ تَكْتُب لا بد لك أن تَـقرأ أولاً

يستحيل أن تكتب بشكل جيد وأنت لا قرأ، فالقراءة هي سبيلُك الوحيد والأوحد لأن تصبح كاتبا ناجحا، لأنها تمنحك الزاد اللازم كيْ تصبح كاتبا محترفا، فمِنَ القراءة الدائمة تُكوِّن ثقافتَك الموسوعية التي تمكنُك من القدرة على الاستنتاج والملاحظة ومناقشة المواضيع والأفكار، كما أن القراءة المنتظمة تُمَكِّنك مِن امثلاك الزاد اللغوي الذي ستحتاجُه في عملية الكتابة. لأن الذي لا يقرأ يكون عنده نقصٌ كبير في المفردات، فيصعب عليه التعبير عن أفكارِه باللغة،  كما أن محدودَ المفردات اللغوية، سيجد نفسَه يُكرر دائما نفس الكلمات التي يعرفها عندما يكتب، فيضطر إلى الشرح بواسطة ما معه من كلمات. هذا الترقيع يُوقِع في جُملٍ طويلة بلا معنىً وبلا مضمون. ولكيْ يستطيع الكاتب أن يتغلب على هذا الإشكال، لابد له من المواظبة على القراءة وبشكل منتظم، والتركيز على المادة الأدبية (الروايات – قصص – المسرحيات ..) مهما كان تخصصُه بعيدا عن الحقل الأدبي، لأن المادة الأدبية غنية بالمعجم اللغوي الضروري لفِعل الكتابة، ودوام القراءة تُمَكِّن الكاتب من زادٍ كبير ومعتبَر من المفردات الأساسية، التي ستساعده بلا شك على الكتابة باللغة العربية، وبأسلوب محترف كذلك. ومن المواقف الغريبة التي حدثتْ في هذا السياق، “أنَّ

هاوياً للكتابة الأدبية كان يَكتب ويعرِض كتاباتِه على أديبٍ كيْ يُعطيه انطباعاتِه حولها، ويقوم بتقويمِها، وكانت هذه الكتابات ضعيفة وهزيلة جداً، فأراد الأديب أن يُرْشِد الكاتب ويوجِّهَهُ إلى الطُرُق الصحيحة في الكتابة، فسأله عن الكتُب الأدبية التي قرأها مِن قبْل والتي يقرؤُها حاليا؟  فأجاب ذلك الكاتب الهاوي قائلا: (أنا لا أقرأ، أنا أكتبُ فقط)“. وهذا هو أصل المشكل في وطننا العربي،  فأُمَّــة اقرأ لا تقرأ، والذي لا يَقرأ لا يمكن أن يَكتب أبدا.

ابدؤُوا القراءة وداوِمُوا عليها بانتظام، وستصبحون مُحترفين في الكتابة.