الدليل المنهجيّ للكتابة باللغة العربية.

المقال الأول:

صعوبة التّعبير عن الأفكار باللغة العربية

الحسين بشوظ – مؤسسة “سبّارك اللغة العربية”.

قد تكونُ صعوبةُ التعبيرِ عن الأفكار باللغة العربية؛ مسألةً مقبولةً عند غيرِ العرب أو الناطقين بغير العربية، الذين يُحاولون تعلُّمَ اللغة العربية نُطقاً أو كتابةً، ولكنها تعتبرُ حالة مؤسفة ومُقلقَة للغاية عندما يتعلق الأمر بِعجز العربِ أنفُسِهم عن التعبير عن أفكارهم بلغتهم الأم (العربية). وعندما يصل الأمر إلى هذا المستوى، فيجب أن نتوقف طويلا ونَطرح سؤالا مشروعا، صريحا، ومباشراً. ((مَنِ المسؤولُ عن  كل هذا الحَيْفِ والظُّلمِ والهوانِ والانحدار الذي لَحِقَ لُغَتَنَا الرائعـــــة والجميلـــــــــــــــــــــــــــــــة ؟؟؟

كثيرٌ من الكُتَّاب، خصوصا الذين لا يمتلكون زاداً مُعتبَرا من المفردات العربية، يجدون صعوبة كبيرة في التعبير عن أفكارهم وآرائهم باللغة العربية، وربما كان ما يكتبون أو ما ينطقون به بخلاف ما يَجُولُ في مُخيلتِهم وأذهانهِم، وهؤلاء الكُتاب هم في الغالب طلبة أو باحثون عِلميُّون درسوا علوما معينة بِلُغات أجنبية (فرنسية / إنجليزية ..)، واستبدتْ بهم الرغبة في نقل هذه العلوم وهذه المعارف إلى اللغة العربية، لغاياتٍ عديدة ومختلفة أهمُّها: تبسيطُ العلوم وتقريبُها للقارئ العربي المتخصص والعادي على حدٍّ سواء.

مُشكلةُ (صعوبة التعبير عن الأفكار باللغة العربية ) لها أسبابٌ عديدة جدا ومتنوعة، كما أن لها انعكاساتٌ سلبية، ومردودٌ عكسيّ على المادة التي يكتبها هؤلاء الكتاب، الذين يعانون من هذا المشكل. وسنحاول في هذا المقال القصير، الوقوفَ على أبرزِها وبإيجاز شديد.

عندما يعجز الكاتب عن تكوين صورة جُمَلِيَّة ذهنيةٍ للفكرة التي تَدورُ في رأسِه ويريد أن يكتبها أو يَفُوهَ بها،(لأسباب عدة منها غياب القاعدة الناظمة للجملة في اللغة العربية وفي غيرها من اللغات، أو غياب الكلمات والألفاظ والمفاهيم) في هذه الحالة يلتجئ (هذا الكاتب) مباشرةً إلى حلٍّ يراهُ بسيطا ولكنه خطيرٌ جِدا، وهو ما يمكن أن نسمِّيَه بالإسقاط، فهو يستعير نِظاما جُمَلِيًّا مِن نسق لغويٍّ آخر مختلفٍ تماما (لهجة /لغة أخرى) ليُعبِّر به عن الفكرة التي يريد كتابتَها بالعربية.

عندما يكون الكاتب أُحادِيَّ اللغة (أي لا يمتلك غيرَ لُغة واحدة للتعبير بها، وحتى هذه اللغة لا يُتقنها كتابةً أو نطقا / أي من ناحية القواعد النحوية واللغوية وحتى الإملائية)، فإنه يلتجئ مباشرة إلى لغته الأم وهي اللغة الدارجة / العامية، وهذا ملاحظ بشكل كبيرٍ وخطيرٍ جدا في الكتابات المشرقية خصوصا المصرية منها، سواءً في الصحف أو في المجلات وحتى في المقالات العلمية.

والسبب أن البعض يظن أن الدارجة أو اللهجة العامية، تَحْكُمُها نفسُ قواعد اللغة العربية الفصيحة، والبعض يعتقد أن المصطلحات الموظفة في العامية، هي نفسُها الموظَّفة في اللغة العربية، عِلما أن عددا كبيرا من المصطلحات التي تُوظَّف في اللهجات المشرقية، ليست حتى عربية، وإنما مستوردةٌ من القاموس الإنجليزي. ويمكن رصد هذا المشكل بشكل لافت في الدردشات والرسائل النصية عبر البريد الإلكتروني أو الهاتف.

وفي السنوات الأخيرة؛ أصبحت حتى الرسوم المتحركة تُدبلَج إلى العامية، مما يُعطي شعورا وانطباعا عند الطفل الذي يُدمن على مشاهدة هذه المسلسلات الكرتونية، أن اللغة التي تتواصل بها شخصيات الكارتون هي اللغة العربية، وعندما يَلج المدرسة يتفاجأ هذا التلميذ بأن اللغة العربية التي يدرسُها في الفصل، ليست هي اللغة العربية التي يسمعُها في حوارات شخصيات الكرتون. وقد بدأت بعض شركات الإنتاج الإعلامي في تأزيم الواقع اللغوي العربي عامة؛ والمشرقي على وجه الخصوص أكثر وأكثر، بإطلاقِها مشاريعَ لدبلجة المسلسلات الغربية إلى اللهجات الدارجة والعامية، فأصبح هامش تحرك اللغة العربية في المجتمع العربي ضئيلا جدا، وأصبحتْ اللغة العربية مجهولة في قومِها. وصار استعمالُها محدودا للغاية ومقتصرا على بعض المرافق الإدارية وبعض المؤسسات التعليمية. فأصبحتْ اللغة العربية غريبة في وطنها، منبوذةً في بيئتها، مَقصيةً مِن أهلِها. بَل إنَّ في بعض المجتمعات العربية، صارت المفردات الأجنبية الدخيلة والمستعمَلة في اللهجة العامية أضعافَ أضعافِ الكلمات العربية التي تعيش حالة انقراضٍ مستمر.

لابد للكاتب باللغة العربية أن يكون مُلِمَّا ببعض قواعد اللغة العربية، إنْ هو أراد أن يكتب بها ويُعبِّر عن أفكارِه بأسلوب سليمٍ وواضح، كما لا بد له كذلك من زادٍ معتَبرٍ من المفردات والمصطلحات العربية لترجمة أفكارِه إلى جُملٍ وفقرات. ولكي يتأتى له ذلك، لابد أن يكون من المكثرين من القراءة، خصوصا قراءة الإنتاجات الأدبية  كالقِصص والرّواياتِ والمسرحيات، هذه المواد تساعد القارئ على تحصيلِ زادٍ مفاهيميٍّ ولغويٍّ لا بأس به، مما ينعكس إيجابا على فِعل الكتابة.

لقد أثبتتْ كل الدراسات وكل الأبحاث أن جميع الحضارات الكبيرة التي سادتْ منذُ بدءِ الخليقة إلى اليوم، استطاعتْ تحقيقَ مجدِها وازدهارِها وسطوتِها باستثمار لغتها الأم، وجعلِها عنوانًا وشعارا للعلوم والفنون والأدب. لذا وجب ردُّ الاعتبار إلى لُغتِنا العربية، وتوفير الوسائل والشروط الضرورية لإخراجِها من عزلتِها، وتوفير البيئة المناسبة لها لتُباشِر تحقيقَ نهضة عربيةٍ جديدة حقيقية وشاملة.