دور إستراتيجيات التدريس في الميل نحو القراءة والكتابة:

مؤسسة “سبارك اللغة العربية

الدكتور حاتم حسين البصيص

تمثّل المدرسة أو البيئة المدرسية جزءاً مهماً من مكونات البيئة الأساسية للإنسان؛ حيث يقضي المتعلّم فيها وقتاً طويلاً، وتستأثر بنصيب كبير من حياته، يتفاعل مع العناصر الموجودة فيها، ويتعامل معها، من أقران، ومعلمين، ومناهج دراسية، ويتصدر النشاط المعرفي لائحة الأنشطة التي يقوم بها المتعلّم؛ إذ إنه الغاية الأساسية من التعليم، ومن خلاله يكتسب المتعلّم المعارف والمهارات التي تمكّنه من التكيف مع البيئة، وإدراك ما يحيط به، والتعامل معه بنجاح واقتدار، ولكن هذا لا يلغي باقي الأنشطة التي ترتبط
بالجانب الوجداني أو النفسي، فالإدراك والنفس كلّ متكامل يؤثّر أحدهما في الأخر ويتأثّر به.

ولما كان المعلم يمثّل عنصراً أساسياً من عناصر هذه البيئة؛ فإن تأثيره كبير في نجاح العملية التعليمية؛ من خلال ما يقوم به من ممارسات، وأداءات تدريسية، قد تحبب التلاميذ في التعلّم، وتجذبهم إليه، وقد تنفّرهم منه، وتبعدهم عنه، وهذا يعتمد على دور المدرس، في انتقاء أفضل إستراتيجيات التدريس، التي تراعي ميول التلاميذ والفروق الفردية بينهم، فتجعلهم مقبلين على التعلّم،
راغبين فيه.

وهنا تبرز ضرورة استخدام تشكيلة واسعة من إستراتيجيات التدريس، التي تحاكي المتعلمين على اختلاف مستوياتهم، وترتبط بما يمتلك التلاميذ، من قدرات فردية خاصة، فتحقّق مبدأ تكافؤ الفرص؛ بما تنطوي عليه من أسس وإجراءات، تستثير جوانب النشاط والحس المختلفة لدى التلميذ.

وهذه الإستراتيجيات المتنوعة تعد بمثابة محفّزات للميل، فالميل “يمكن أن يثار عن طريق منبه بصري، كمسرحية (لعبة) بصرية، أو مشاهدة صورة، أو منبه سمعي، كالاستماع إلى محادثة، أو مزيج من المنبهات السمعية البصرية، كعرض تلفازي”.

وهناك ممارسات ينبغي مراعاتها في تدريس كلّ من القراءة والكتابة، وكذلك في اختيار إستراتيجيات التدريس، بما يحقّق تنمية الميول نحو القراءة والكتابة، ويراعي رغبات التلاميذ واهتماماتهم؛ لتوفير بيئة تعلّم صحيحة فاعلة، ففي تدريس القراءة تزداد فاعلية طرائق التدريس، إذا ما اقترنت ببعض الإجراءات والأنشطة، كاستخدام المدخل الكلي التواصلي في درس القراءة، وتحقيق التكامل بين القراءة والكتابة والتحدث والاستماع معاً، واستخدام إستراتيجيات متنوعة كالتدريس البنائي، والتعليم الذاتي، والقراءة
الاستقلالية، والتعلم التعاوني، وغيرها، ثم الاهتمام بتعليم القراءة في مواقف حقيقية، ترتبط بالقراءة في العالم الحقيقي، ووضعه في مواقف تعليمية تستدعي زيارته للمكتبة للبحث والتنقيب عن المعلومات المرتبطة بالنصوص، إضافة إلى التركيز على إيجابية التلميذ ونشاطه في درس القراءة وتعامله مع النصوص، وتوجيه انتباهه إلى مراجعة الكتب المرتبطة بالموضوعات، ومنحه الفرصة للاستفادة من المعلومات التي حصلها من قراءته ومناقشته فيها، وكذلك تقديم الكتب للتلاميذ بطريقة غير مباشرة، من خلال الإشارة إلى شخصيات ذكرت في كتاب ما، ومناقشتها، وقراءة أجزاء منها، وهذه الإجراءات من شأنها أن تساعد التلميذ الذي يبدي ميلاً طبيعياً تجاه الكتب أن يتجه باهتمامه إليها، مما ينمي فيه ميلاً حقيقياً نحو القراءة.

كما أن الموقف التعليمي ذاته، يلعب دوراً مهماً في تنمية الميول نحو القراءة، وهذا الموقف منوط بالمعلم، “الذي يستطيع أن يجعل الموقف التعليمي في القراءة جذاباً مشوقاً؛ ومن ثم يحبب القراءة إلى تلاميذه”، إضافة إلى ممارسات أخرى؛ ينبغي مراعاتها في تدريس القراءة؛ من خلال التركيز على أنشطة محفّزة؛ حيث تتكون الميول لدى التلاميذ، عندما “تتصل النصوص القرائية والأنشطة بأحداث مثيرة، أو تتّصل بالموضوعات المهمة المرتبطة بشخصية المتعلم”.

ومن الممارسات المرتبطة بالميل الموقفي، والتي يمكن اعتبارها مصادر لتوليد الميل، “سهولة الفهم، وتماسك النص، وحيويته، والتزام القارئ، وإثارة ردود الفعل العاطفية، والمعرفة السابقة للمتعلّم”.