التعليم المقلوب…!!

مُؤسسة “سبارك اللغة العربيّة”

بقلم الأستاذ محمود إبراهيم سعد

لقد فرض مصطلح “التعليم المقلوب” أو “التعليم المعكوس” نفسه على الساحة التعليمية والتربوية في الفترة الأخيرة، وانتشر بصورة كبيرة في العديد من المؤلفات المختصة بمجالي التعليم والتدريس سواء في دول أوروبا أو بعض الدول العربية، فقد تحدث عدد من الباحثين والمختصين عن هذا النوع من التعليم ونادوا بضرورة تطبيقه في المدارس والجامعات، وفي الواقع  إن فكرة التعليم المقلوب ليست فكرة حديثة أو جديدة في هذا العصر؛ فهي فكرة ذات جذور قديمة في الماضي ولكنها ظهرت حديثا وبقوة نتيجة التقدم التكنولوجي والتقني الرهيب الذي نشهده في العصر الحالي.

وقبل أن أضع بين أيديكم ماهية التعليم المقلوب بكل مشتملاته أود أولا أن أوضح المقصود بالتعليم المقلوب. لقد اختلف الباحثون والتربويون والمختصون بمجال التربية وتطوير نظم التعليم حول وضوع تعريف دقيق للتعليم المقلوب، ولكنهم اتفقوا جميعا على أن التعليم المقلوب هو بمثابة إستراتيجية يتم من خلالها “أداء عمل المدرسة في المنزل وعمل المنزل في المدرسة” من أجل خلق بيئة تعليمية محفزة ومشجعة للطلاب من أجل التعلم والإنتاج والابتكار في جو من الدافعية والتنافسية والانتقال ببيئة التعلم من التمحور حول المعلم إلى التمحور حول الطالب.

وجدير بالذكر أن هناك من يقول بوجود علاقة وثيقة وقوية بين فكرة الفصول الدراسية المقلوبة والتعليم المقلوب أو المعكوس، ومن بين هؤلاء “بيل غيتس” Bill Gates المؤسس والرئيس التنفيذي السابق للشركة العملاقة مايكروسوفت، و “إيريك مازور” Eric Mazur عالم الفيزياء الكبير والتربوي والذي حظي بشهرة عالمية كبيرة. حيث يرى كل منهما في هذا النوع من التعليم مثالا وأنموذجا للتعليم المبني على الابتكار والاكتشاف والإبداع، وذلك لأن التعليم المقلوب أو المعكوس يتيح الفرص للطلاب لاكتساب المعارف والمفاهيم والنظريات والحقائق والخبرات وغيرها قبل دخولهم للصف أو الفصل المدرسي، ويتم ذلك من خلال إتاحة المعلم الفرص لطلابه كي يقرؤوا كتبا معينة أو يشاهدوا مقاطع فيديو مثلا أو يستمعوا لمقاطع وتسجيلات صوتية توضح وتشرح العديد من الموضوعات أو الدروس أو متابعة بعض المحاضرات أو النقاشات حول موضوع أو قضايا معينة وكل هذا يتم بالطبع خارج الصف وقبل إتيان الطلاب إلى المدرسة ، وبعدما يقومون بإنجاز تلك المهام ويأتون لفصولهم الدراسية النظامية يقوم المعلم بطرح درسه وموضوعه ، وهنا من الضروري ومن المهم أن يبدأ المعلم درسه بتهيئة غير تقليدية تتسم بجذب انتباه الطلاب وإثارتهم نحو موضوع التعلم المخطط له مسبقا ، وهنا تتمركز عملية التعلم بشكل كامل حول الطالب فهو من يسأل ومن يجيب ومن يناقش ومن يكتب ومن يحلل ومن يوضح ويقارن….إلخ ، ولذا فمن الواجب والمهم أن يعد المعلم الذي ينفذ هذا الأسلوب من التعلم أدواته الرامية إلى تقييم تعلم الطلاب بصورة موضوعية داخل الفصل المدرسي ؛ فعليه أن يجهز محاورا للمناقشات ، وعليه أن يجهز أوراق العمل أو الأنشطة أو الاختبارات القصيرة أو الأعمال والمهام الكتابية المطلوب من طلابه القيام بها ، وذلك كله من أجل الوقوف على مدى فهم طلابه لدروسهم وللموضوعات المقررة عليهم والتحقق من مدى استيعابهم للمعلومات والمفاهيم والخبرات وغيرها من الأمور المقررة عليهم.

وهكذا نجد أن عملية تطبيق إستراتيجية التعليم المقلوب تجعل من الصفوف الدراسية بيئات للتدريب العملي والتعلم التطبيقي وتوظيف المعارف والمعلومات في جو من التفاعل والتشارك المثمر بين المعلم وطلابه، وذلك بالتوازي مع عمليات تقييم تعلم الطلاب وتوجيههم وإسداء النصح لهم وإرشادهم وتعزيزهم بما يمكنهم من المحافظة على نقاط القوة في أدائهم الأكاديمي وتطوير وتحسين النقاط التي تحتاج لدعم وتحسين لديهم.

ويمكننا أن نوجز أهم فوائد ومزايا التعليم المقلوب في النقاط الآتية: إن التعليم المقلوب يجعل الطلاب أكثر مشاركة وتفاعل مع معلمهم داخل الصف، ويسهل من عملية الاهتمام بجميع الطلاب داخل الصف، ويقلل من الفروق الفردية بينهم، ويساعدهم جميعا على التعلم الفعال والمثمر، وكذلك يتيح الفرص للطلاب كي يتعلموا بطريقتهم الخاصة دون تقييد أو تضييق عليهم من قبل المعلم، بالإضافة إلى انتشار أدواته بصورة كبيرة جدا في مجتمعنا، ولعل من أهمها الإنترنت ؛ فلا يخفى على أحد أن الطلاب اليوم يقضون معظم أوقاتهم على شبكة الإنترنت مستخدمين نوعا ما من التقنية، فهم يستخدمون الهواتف المحمولة وأجهزة تقنية المعلومات والاتصالات المتحركة وأجهزة الكمبيوتر المحمول والتابلت وغيرها ، وجدير بالذكر هنا أن نشير إلى تلك الإحصائية التي نشرها موقع جوجل في نهاية عام 2013، والتي أفادت بأن موقع “يوتيوب”  يحتل المركز الثاني من بين المواقع الأكثر زيارة على شبكة الإنترنت، فعدد مشاهدات يوتيوب يوميًا بلغ حوالي 4 مليارات مشاهدة في اليوم، ويتمّ تحميل 100 ساعة من الفيديو كل دقيقة ، ويستقبل موقع “يوتيوب” شهريا ما يزيد عن مليار مستخدم، مما يؤكد أن الفيديو له قوة وشعبية لا يمكن تجاهلها أو الاستهانة بها ؛ ولذلك فقد دفعت هذه الشعبية التي يحظى بها الفيديو بين فئة الشباب على التفكير باستخدامه كأداة تعليمية داخل الصفوف وخارجها من خلال تطبيق إستراتيجية التعليم المقلوب.

وعلى الرغم من كثرة الفوائد والمزايا المرتبطة بتطبيق التعليم المقلوب أو المعكوس إلا أن هناك بعض التحديات التي تواجه وتقف عائقا أمام عملية تطبيقه ، ومن أبرز تلك التحديات: التركيز بصورة كبيرة جدا على مقاطع الفيديو واليوتيوب في عملية التعلم لسهولة وسرعة الحصول عليها، ولذا فلابد من تفعيل ما يسمى بالمنصات التعليمية الإلكترونية وتكنولوجيا التعلم النقال ، وكذلك ضعف إمكانات بعض المعلمين في توظيف وسائل التقنية الحديثة في عملية تعليم الطلاب، وكذلك تمسك بعض المعلمين بالطرائق التقليدية في عملية التعليم ، ويمكننا التغلب على ذلك من خلال عملية التدريب والتطوير المهني المستدام ، وأيضا تكاسل الطلاب وانشغالهم عن متابعة دروسهم المقررة عليهم خارج الصف الأمر الذي يجعل أداءهم غير مضي داخل الصف أثناء المشاركة في الأنشطة والتدريبات ، ويمكننا التغلب على ذلك من خلال ربط نشاطات الطلاب داخل الصف بدرجات تقييمة تعكس مدى مستواه التعليمي مع ضرورة توفير أساليب التعزيز والمكافآت للطلاب المجتهدين.

وختاما أقول: إن التعلم المقلوب على الرغم من فوائده ومزاياه العديدة إلا أنه قد لا يستطيع كل معلم تطبيقه لأنه يرتبط ببعض المهام والأنشطة التي قد لا تتناسب مع إمكانات وقدرات بعض المعلمين والطلاب أنفسهم، ولكن من المهم أن نعمل جاهدين على تطبيقه قدر المستطاع كي نستطيع أن نحكم عليه بأنفسنا وأن نعمل دائما على مواكبة هذا العصر ومستجداته التربوية والتعليمة بما يدعم تحقيق الأهداف المنشودة من عملية تعليم وتعلم الطلاب.