تقول الدكتورة : هبة عزت

مُؤسسة سبارك اللغة العربية 

جاءت الإجازة الصيفية وصارت مساحة الصباح فارغة بالنسبة للأطفال.. وبعد أن كنا نستيقظ في السادسة، ونهرول للوصول إلى نقطة الخروج من باب المنزل بعدها بنصف ساعة، بعد أن نخوض معارك النظافة الصباحية والفطور وإعداد وارتداء ملابس المدرسة والجوارب والأحذية، ثم القيادة إلى المدرسة وتنفس الصعداء بعد عبورهم بوابة المدرسة.. صرنا الآن نستيقظ دون توتر.. ثم بعد أن نتناول الفطور يبدأ الإلحاح من جانب الأطفال: ماذا سنفعل؟ أين سنذهب؟ كيف سنقضي وقتنا؟.

  في أول أسبوع ونتيجة لعدم التوازن الذي يحدث في برنامج الأسرة بعد انتهاء الدراسة، تمخض الأمر عن بقائهم أمام التلفاز معظم الفترة الصباحية، فالأنشطة الصيفية في المدرسة لم تكن قد بدأت بعد، وكذا النشاط الصيفي في مراكز الطفل والهيئات الاجتماعية التي ترتب للأطفال برامج ترفيهية وتعليمية وتربوية.. وصار الأطفال بعد الإفطار يدخلون إلى غرفة المعيشة ويفتحون التلفاز ويجلسون أمام الكرتون وبرامج الأطفال حتى الظهيرة، وبقليل من المتابعة سنجد أن هذه البرامج لا تُقَدِّم أي فائدة تُذْكَر، فكان أنْ بَدَأْتُ في توظيف كل ما عندي من مهارات في شغل الأطفال عن هذا الجهاز المُدَمِّر للوقت والإبداع والعقل.. الذي كانت تكفيني المذاكرة والاختبارات الشهرية هَمَّ فتحه أساساً طول فترة الدراسة حتى علاه التراب، وبدأت مسيرتي الصيفية مع اختراع شواغل للأطفال.. اليوم نطبخ فطيرة من عجين للعب.. ونضعها في الفرن.. ثم تصبح بعدها مادة مناسبة لاستخدام مطبخ الأطفال البلاستيكي الذي لم يعد يجذب اهتمامهم وعلاه التراب.. واليوم التالي تَمَّ تفريغ مساحة في المطبخ للرسم بالألوان المائية على أوراق ضخمة تمَّ لصقها على حوائط السيراميك، ثم تم تعليق الأعمال الفنية الرائعة أمام باب المنزل لمدة يوم (الحمد لله لم يكن هناك ترتيب لقدوم أي ضيوف) واليوم الثالث انهمكنا في تنظيف الحمامات.. لعب بالماء والصابون في المكان المناسب، وإحساس بالإنجاز والفاعلية بعد انتهاء التنظيف.. وهكذا.

ولم يكن الهدف هو فقط الاستفادة من الوقت في صرف الأطفال عن محتوى ما يقدمه التلفاز.. بل كسر عادة الجلوس أمامه.. وتم وضع قاعدة صارمة: لا فَتْحَ للتلفاز دون استئذان.. نهائيًّا!

غنيٌّ عن البيان أن هذه الخطة كانت مُدمِّرة لبرنامجي الشخصي في العمل والإنجاز في مهنتي ومشاغلي.. لكنني استعضت عن ساعات النهار بساعات الليل (التي استطعت أن أقتنصها وأقاوم النوم!).

 لكن العائد كان أكبر.. تفاعُل مع الأطفال وتشاركٌ في ساعات ثمينة كان يمكن أن تضيع هباءً.. إيمان الصغيرة اكتشفنا أنها تجيد الرسم على الكومبيوتر بمهارة أكبر من أختها نوران.. التي اكتشفت أنها أكثر صبرًا على الأعمال الفنية والطبخ من إيمان.. وعندما تذهب الكبرى لتدريب الكاراتيه في النشاط المدرسي الصيفي، تطور الصغيرة قدراتها اللغوية عَبْر الألعاب التعليمية.. واتَّفَقْنا على أن تُنَمِّيَ مهارة القراءة؛ لأنها تغار من قدرة أختها الأكبر منها على قراءة اللافتات في الشارع في حين تعجز هي..

مرهقة.. ومتعبة.. وأحتاج إلى نوم أكثر.. لكن لا بأس.. فأنا سعيدة بانتصاري على الصندوق الأسود.. وعلى أفلام الكرتون.. وفوزي هو فوز لزهوري الصغيرة التي تنبت يوماً بعد يوم.. وعقولها الصغيرة تنمو إلى أفق بعيد….. إهـ.

وزير الإعلام المنزلي

يقول أحد الآباء: القنوات الفضائية يشاهدها معظم الصغار والكبار في كثير من البيوت ، والتوقف التام عن مشاهدتها ربما يكون صعبا ، لذلك جمعت أبنائي وقلت لهم: هيا نبحث عن حل عملي نقلل من خلالها ساعات مشاهدتنا للتلفزيون، دون تضييع الوقت في المسلسلات الهابطة والأفلام والبرامج الغير هادفة ، وهنا قال أحد أبنائي : اترك لي هذه المهمة ، فسوف أحدد لكم ما نشاهده كل يوم ، وسأضع برنامجا للمشاهدة ، ولكن إخوته اعترضوا قائلين: ولماذا لا نقوم نحن بهذه المهمة ، ولفض هذا الاشتباك ، قررت أن يقوم كل واحد منهم بدور وزير الإعلام المنزلي لمدة أسبوع ، ويحدد لنا ما نشاهده خلال هذه الأيام ، وبالفعل تنافس الأولاد في هذا الأمر ، وعلقوا جدولا في الصالة الرئيسية من البيت ، وحددوا فيه الوقت الزمني ومادة المشاهدة ، بل إن بعضهم أضاف الهدف من مشاهدة كل فقرة في الجدول الزمني الخاص بالمشاهدة ، وهكذا انتصرنا على التلفزيون ونحقق أقصى استفادة من جلوسنا أمامه ، وقررنا أن تستمر هذه التجربة في بيتنا على مدار العام..

الأمة المبدعة

أيها الآباء و الأمهات: إن الأمة المبدعة لا تعرف تضييع الوقت لأن الوقت هو الحياة ولا ينبغي لعاقل أن يضيع حياته في برنامج ومسلسل و فيلم أجنبي .

من كتاب: ( كيف تصنع طفلا مبدعا).