أهمية القراءة والكتابة:

مُؤسسة سبارك اللغة العربية 

الدكتور حاتم حسين البصيص

ليس من سبيل إلى الإحاطة، بجوانب أهمية القراءة والكتابة في صفحات قليلة؛ إذ لا تخفى أهميتهما في مختلف جوانب الحياة، وخاصة على صعيد الفرد والمجتمع، ولا أدلّ على عظيم هذه الأهمية، من أنهما كانتا أول أمر إلهي توجه به رب العزة إلى نبيه الكريم ؛ حيث بدأ بالقراءة، وثنّى بالكتابة مقرونة بالتعلّم، كمرحلة لاحقة للقراءة، يقول :

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ Aya-1.png خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ Aya-2.png اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ Aya-3.png الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ Aya-4.png عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم )   (سورة العلق، الآيات )(٥-١).
لقد أدرك علماء العربية القدماء أهمية القراءة والكتابة؛ فأشاروا إلى “اللفظ“، الذي يعني القراءة، وإلى “الخطّ“، الذي يعني الكتابة، واهتموا بسلامة التحرير العربي، وبالدلالات اللغوية، وعلوم الإنشاء عمقاً واتساعاً، فيذكر “القنوجي
على سبيل المثال- أن جميع المعلومات والمعارف تُعرف من خلال الدلالة عليها بأمور ثلاثة، هي: “الإشارة، والخط، واللفظ“، “فالإشارة تتوقّف على المشاهدة، واللفظ يتوقف على حضور المخاطب وسماعه، وأما الخطّ فلا يتوقّف على شيء، فهو أعمها نفعاً وأشرفها، وهو خصيصة النوع الإنساني، فعلى المتعلم أن يجوده ولو بنوع منه، ولا شك أنه بالخطّ والقراءة، ظهرت خاصة النوع الإنساني من القوة إلى الفعل، وامتاز
عن سائر الحيوان، فجبلت غرائز القوابل على قبول الكتابة والقراءة، لكن السعي لتحصيل الملكة، موقوف على الأخذ، والتعلّم، والتمرن، والتدرب
، 
وفي هذا إشارة واضحة إلى دور التعلّم والتدرب والمران في اكتساب مهارات القراءة والكتابة معاً.
وليس هذا فحسب؛ بل إن هناك دلالة عميقة، وهي إشارته إلى »القبول«، والذي يحمل معنى »الميل« نحوهما، فغريزة الإنسان جبلت على قبولهما؛ لأنهما في أصل الطبع والفطرة، وبذور الميل نحوهما موجودة، ولكنها بحاجة إلى غرس جيد وسقيا طيبة؛ كي ينمو هذا الميل ويؤتي ثماره. وهكذا، فالاهتمام بهذه المهارات، وإدراك قيمتها، قديم قدم هذا التراث العظيم من العلوم والفنون، التي لهجت بها الألسن، وسطّرتها الكتابة؛ فحفظت بذلك تاريخ أمة عظيمة بدأت بالقراءة والكتابة، وانتهت بعلم ملأ الدنيا نوراً وهداية.
إن أهمية هذين الفنّين مرتبط بالتعلّم ارتباطاً مباشراً، كما أنه مرتبط بالمرحلة التعليمية التي يمر بها المتعلم، ولكلّ مرحلة جوانب أهمية خاصة تبني على ما سبق، وتهيئ لما سيأتي من مهارات، ففي المراحل الأولى للتعلّم، تأتي القراءة والكتابة في طليعة الأدوات التي ينبغي أن يتسلّح بها الطفل، كي يستقبل المعارف من حوله، وفي المرحلة المتوسطة يبدأ الإعداد لتلقّي المهارات الأكثر عمقاً وتفصيلاً، فهي مرحلة وسط، تربط ما اكتسبه التلميذ في المرحلة الابتدائية، وما سيكتسبه في المراحل اللاحقة؛ فإن لحق القصور في نمو هذه المهارات، حمل معه التلميذ هذا القصور إلى المراحل التالية، التي تتطلّب منه مهارات عقلية عليا؛ فتكون بذلك معوقاً من معوقات
نجاحه وتقدمه في الدراسة.
ولذلك فأهمية القراءة والكتابة تكمن في أهمية المرحلة ذاتها؛ باعتبارها جزءاً من سلسلة متتابعة من المراحل، السابق منها يهيئ للاحق، والمعلمون معنيون بإدراك هذه الأهمية؛ لمراعاتها في تدريس القراءة والكتابة؛ حيث لم تعد هذه العملية، هي تعليم التلميذ كيف يقرأ أو يكتب، وإنما أصبحت عبارة عن “مجموعة متقدمة من المعارف، والمهارات، والإستراتيجيات التي تنشئ وتهيئ الأفراد لكافة مجالات الحياة
 ، كما أن المناهج بدورها معنية بمراعاة 
هذه المهارات، وإبراز أهمية القراءة والكتابة، وإدراك ذلك في صياغتها؛ لتحقّق بذلك غاية التربية الحديثة، وهي ربط التعليم بالواقع والحياة.
ولكلّ من القراءة والكتابة وظائف منفصلة، تؤديها في حياة المتعلّم، قد تَمِيز إحداها عن الأخرى، فالقراءة “هي المفتاح الذي يدخل بوساطته أي شخص إلى مجالات العلوم المختلفة، وربما أدى جهل المرء بالقراءة أو ضعفه فيها، إلى فشله في تلقّي العلوم، ومن ثم فشله في الحياة
.
كما أن للقراءة وظائف نفسية، واجتماعية، مهمة في حياة المتعلّم، تتمثل في الآتي:
– تشبع حاجات نفسية كثيرة لدى الفرد، كالحاجة للاتصال بالآخرين ومشاركتهم في فِكَرهم ومشاعرهم، والحاجة للاستقلال؛ إذ تمكّنه من الاعتماد على نفسه في تحصيل المعرفة، والاستقلال في ذلك عن والديه ومدرسيه، كما تشبع حاجته إلى الاكتشاف ومعرفة عوالم
كانت مجهولة أمام ناظره، وحقائق كانت غير معلومة.
– تساعد القراءة الإنسان على التكيف النفسي؛ إذ يمكن أن تكون ملجأ للتنفيس عن بعض الضغوط النفسية؛ فالقراءة تخلّص الفرد من عناء الانفعالات.
– تساعد القراءة على تنمية ميول الفرد واهتماماته، والاستفادة من أوقات الفراغ، والاستمتاع بها.

وللكتابة أهمية كبيرة في حياة المتعلم؛ فهي وسيلته في التعبير عن فِكَره ومشاعره، وهي مكون أساسي من مكونات المعرفة التكاملية الوظيفية للقراءة والكتابة في النظام المعاصر، ومن جوانب الوظيفية؛ أنها اعتبرت مظهراً من مظاهر النمو السليم، وأداة مهمة للصحة العقلية؛ ولهذا اتّخذ منها علم النفس وسيلة للعلاج النفسي؛ فحين تفصح الذات عن مكنوناتها ومشكلاتها النفسية؛ تنمو وتتحسن الصحة العقلية، وحتى الجسمية، والتعبير عن هذه المشكلات يخرجها من نطاق الكبت، ويسهم في تنمية القدرة على التحمل، ومواجهة مشكلات نفسية أخرى.
وللكتابة قيمة تربوية في تعلّم التلميذ؛ حيث إنها تثير قدراته العقلية وتنميها، وتعطي التلاميذ المجال للتفكير، والتدبر، ومن ثم اختيار التراكيب، وانتقاء الألفاظ، وترتيب الفِكَر، إضافة إلى تنسيق الأسلوب، وجودة الصياغة، وغير ذلك من المهارات والقدرات، التي يسهم التعبير في إبرازها، ويعد دافعاً ومثيراً لها، إضافة إلى قيمته الفنية، المتمثّلة في تمكين التلميذ من إنشاء المقالات، وكتابة الرسائل، وتدوين فِكَر الكاتب، وخواطره، وملاحظاته، حيثما فُرضت عليه أي مناسبة، وذلك بأسلوب صحيح واضح مؤثّر، ينتج عنه مسايرة القارئين لكتاباته، ومتابعتها بشوق، ومن ثم التأثر بعواطفه، والشعور بالقيمة الفنية لهذه الكتابات.
ويمكن إجمال أبرز وظائف الكتابة أو التعبير الكتابي في النقاط الآتية:
أن التعبير طريقة اتصال الفرد بغيره، وأداة فاعلة لتقوية الروابط الاجتماعية والفكرية بين الأفراد والجماعات، كما أنه أداة للتعلّم
والتعليم.
– أن التعبير غاية في دراسة اللغات، في حين أن فروع اللغة الأخرىكالقراءة، والخط، والإملاء، والنصوص، والمحفوظات، والقواعد،
كلها وسائل تسهم في تمكين الطالب من التعبير الواضح.
– أنه يساعد على حلّ المشكلات الفردية والاجتماعية؛ عن طريق تبادل الآراء ومناقشتها.

– أن الفشل فيه يؤدي إلى الاضطراب، وفقدان الثقة بالنفس، وتأخّر النمو الاجتماعي والفكري.
– أن عدم الدقّة في التعبير؛ يؤدي إلى الإخفاق في تحقيق الأهداف، وقد يوصل إلى عكس المطلوب، وكثيراً ما يكون لدقة التعبير دخل
في مقاييس الكفاءة والنجاح في العمل.