يُولَعُ الكثيرون بقدرةِ الطُلابِ الأفذاذِ على التفوقِ الدراسي، وكذلك يُدهَشون بنجاحاتِ الشبابِ الطموحِ الواعدِ في ميادينِ الحياةِ على تَنَوعِ أصنافِها وأطيافِها. وتراهم ينظرونَ بعينِ الريبةِ والامتهانِ لمن تخلّفَ عن هذا الدربِ، ويقولونَ بلسانِ الحالِ وربما بلسانِ المقالِ أيضًا: أين أنتم من هؤلاء! أنتم من سَقَطِ المتاع ولا تستحقون الحياة!!.

وهؤلاء المشدوهين أسَاءُوا من حيث أرادوا الإحسان، وأضروا من حيث قصدوا المنفعة، فالشبابُ الذي نتشرفُ بهم وبنجاحاتِهِم يقفونَ على أرضٍ صلبةٍ من الثقةِ بالنفس، غرسها فيهم أبٌ فاضلٌ وأمٌ حكيمةٌ رددوا على مسامِعِهم مرارًا وتكرارًا “يا ولدي أنت متميز .. يا ولدي أنت تصنعُ الفرق”، وتخيل معي هذا الشاب الفذ كزرعٍ جِذرُه في الثرى راسخٌ متمكن، ثم سل نفسك: هل تقوى الرياحُ على اقتلاعِ هذا الزرعِ بسهولة؟ والجواب: لا، قولًا واحدًا، ثم اعطف بهذا السؤال: هل أنا غرستُ في ولدي ثقتَه بنفسِه؟ هل قلتُ له يومًا “يا ولدي أنت مميز .. يا ولدي أنت تصنعُ الفرق”؟ أم أنكَ تُكيلُ له التعنيفَ والتنكيلَ بالقولِ أحيانًا وربما بالفعلِ أحيانًا أخرى.

حينَ لا يؤمنُ الناسُ بولدِك، فعليكَ أن تُحيطَه بعنايَتِك، وأن تضعَ له في أجندةِ أعمالِك اليوميةِ وقتًا مقدسًا لا يقلُ في أهميتِه عن الوقتِ الذي تَرْقُبُ فيه عن كثبٍ لا يُوصف مُطالعةَ الأسْهُمِ الماليةِ وحجمِ تجارتِك ومعاملاتِك المادية. انتبه .. كلُ ما تسعى إليه يَصُبُ في مصلحةِ ولدِك وابنتِك، فهو الذي يصنعُ الفرق، وهى التي تصنعُ الفرق، وليست الأموالُ هى التي تضمَنُ لهم الحياةَ الكريمة! فولدُكَ يحتاجُ منك إلى أن تتقربَ إليه وأن تمسحَ على قلبِه ببردِ اهتمامِك، وأن تتعهدَه بالتشجيعِ والتحفيزِ وأن تؤازرَه ولا ترزأه، وأن تكونَ له الأبَ والصديقَ والمُلهِمَ والقدوة. يحتاجُ ولدُك أن تغرسَ فيه ثقتَه بنفسَه واعتداده بها، لا تفكر بدلًا منه ولا تلغي وجودَه، عليكَ أن تُساندَه وتُنّمي فيه القدرةَ على التعاملِ وألا تُوبخَه أو تتأففَ من تصرفاتِه لاسيما أمامَ الناسِ، كن له مِعوانًا ليقفَ في وجهِ أهوالِ الحياةِ بعد ذلك بمفرده. الحياةُ الكريمةُ التي يحتاجُها ولدُكَ هى أن تغرسَ فيه الثقةَ بنفسِه فاضْمُمْ عليه جناحَك، فإن فعلتَ فقد بنيتَ رجلًا وامرأةً يرتفعُ بهما شأنُ المجتمع.

لما أشاحتِ الدنيا بوجهِها عن الصبي توماس إديسون، صبت عليه أمُهُ عنايتَها ورعايتَها، فكان العملاقَ الذي أنارَ ظلامَ الدنيا، انظر عن يمينِك ويسارِك لتتأكدَ من أهميةِ أن تقولَ لولدِكَ: “يا ولدي أنتَ متميز .. يا ولدي أنتَ تصنعُ الفرق”. إن السلاحَ الذي يتعين علينا توفيره لأنفسِنا ولأبنائِنا ولكلِّ من له حقٌ علينا هو أن نرفعَ من ثِقَتِه بنفسِه، فإن فعلنا ذلك صنعنا جيلًا يعيدُ أمجاد أمتنا التي ما ماتت ولكنها لمَّا انهزمنا نفسيًا استقوى علينا الوهَنُ ورَزحنَا تحتَ وطأةِ التبعية.

إن رجلًا واحدًا يثقُ بنفسه يستطيعُ أن يُحرِزَ نَقْلَةً في تاريخِ أمته. تاكيوا أوساهيرا سعى لأن يضع اليابان على خريطة العالم بعد الحرب العالمية الثانية، فاتَّكأَ على ثقتِه بنفسِه التي غرستها فيه أسرتُه، ثم أخذ على عاتِقِه أن ينقلَ صِناعةَ المُحركِ الألماني لليابان لينقلَ بذلك نهضةَ أوروبا لليابان، فلم يتخاذل ولم يتواكل، وأصداءُ تشجيعِ أسرتِه له “أنت تصنعُ الفرق” هى التي جعلت منه رجلًا صَنَعَ الفرق، فنقلَ اليابانَ لمصافِ دولِ العالم. الثقةُ بالنفسِ تصنعُ المعجزات .. لذلك اغرس في ولدِك تلكَ الكلماتِ النيرات “يا ولدي أنت تصنعُ الفرق”.

 

محمد الشبراوي