أسس ومبادئ تعليم اللغة على ضوء الاتجاهات المعاصرة:

مُؤسسة سبارك اللغة العربية 

الدكتور حاتم حسين البصيص 

شهد تعليم اللغة تطورا ً كبيرا ً في السنوات القليلة الماضية؛ لأن العلماء والباحثين أدركوا قيمتها وتأثيرها المباشر على المتعلم في كل جوانب حياته، كما أن اختلاف طبيعتها عن غيرها من المواد الدراسية الأخرى، أدى إلى ظهور الحاجة إلى تطوير تعليمها، فهي جملة من المهارات المركّبة والمعقدة، والتعامل معها يحتاج إلى طرائق حديثة، وإلى اضطلاع المعلم بأدوار مختلفة، لم يكن يؤديها في ظل ّ الطرائق التقليدية القديمة.

وهكذا ظهرت اتجاهات حديثة لتعليم اللغة نادت بها التربية المعاصرة، وأيدتها الدراسات والبحوث الكثيرة التي أجريت في ميدان تعليم اللغة المعاصر، فمن الاتجاهات الشائعة: “الاتجاه الوظيفي، والاتجاه البنيوي ، كما أن هناك اتجاهات حديثة أخرى كثيرة؛ استمدت من نظريات علم النفس التربوي واللغوي، ومن النظريات الحديثة في تعليم اللغات، ومن أبرز هذه الاتجاهات:
الاتجاه التكاملي، والاتجاه النفسي، والاتجاه التذوقي، والاتجاه الصوتي، واتجاه 
عمليات الكتابة ، وغيرها، ومن هذه الاتجاهات ما كان قديماً، كـ”التكاملي، والصوتي“، حيث دعت الحاجة إلى تناولها والتأكيد عليها من جديد؛ نتيجة ظهور مشكلات مختلفة تتعلّق باللغة واستخدامها عند المتعلمين.

ومهما يكن من أمر، فإن هذه الاتجاهات وغيرها، استندت إلى أسس ومبادئ تتعلّق بتعليم اللغة في ظلّ التطورات الراهنة، كالتطور المعرفي المتزايد، وظهور احتياجات لغوية ونفسية جديدة لدى المتعلمين، ويمكن تلخيص أبرز هذه الأسس والمبادئ بالاتّساق مع الاتجاهات السابقة لتعليم اللغة على النحو الآتي:

– إن اللغة تتطلّب مجموعة قدرات ينبغي توفّرها عند المتعلم، وخاصة في المرحلة الأولى من تعلّمها، وأبرزها ما يرتبط بجهاز النطق، والقدرات السمعية والبصرية؛ ولذلك فمن الضروري حفز هذه القدرات وتعزيزها، وتنميتها كخطوة سابقة لاستقبال اللغة؛ من خلال برامج الاستعداد والتهيئة اللغوية المناسبة، وعدم تجاوز هذه الخطوة إلا بعد التأكّد من اكتساب المتعلم القدرات اللازمة.
– ضرورة الاهتمام بالمهارات اللغوية الأساسية، في المراحل التعليمية الأولى، وفي مقدمتها النطق الصحيح للأصوات، والتمييز بين المتشابه منها والمتقارب نطقاً وشكلاً؛ ويتم هذا من خلال التركيز على الجانب الصوتي للغة.
– إن اللغة عبارة عن تشكيلة متنوعة من المهارات، التي تعمل معاً بصورة تكاملية؛ لذلك ينبغي مراعاة هذه التكامل في تدريسها، وعدم الفصل بين مهاراتها إلا في المراحل المتقدمة، وحين تستدعي الحاجة إلى تنمية مهارات لغوية خاصة، ويمكن تحقيق هذا النوع من التكامل؛ من خلال إضافة أنشطة لغوية مختلفة، ترتبط بالفنون الأخرى، سواء عند تصميم المحتوى، أو من خلال إثراء المعلم للمحتوى الموجود بمثل هذه الأنشطة، ويتم هذا من خلال التركيز على الجانب التكاملي للغة.

– ربط اللغة بالمواقف الوظيفية التي يمارسها المتعلّم في حياته وفي بيئته؛ من خلال ربط المحتوى التعليمي بالواقع والحياة، كانعكاس له وصورة ممثّلة لما يعيشه المتعلم، مع مراعاة المعلّم لهذا الجانب في ممارساته التدريسية، بتقديم أمثلة أو سرد قصص أو تمثيل مواقف تستند إلى ما يقع تحت عين المتعلم أو سمعه أو يده، تأكيداً على الجانب الوظيفي للغة.
– إن الهدف الرئيس من تعليم اللغة، هو إعداد المتعلم وتأهيله للتعامل مع المجتمع بكلّ ما فيه؛ باكتسابه المهارات اللغوية التواصلية مع الآخرين؛ ولذلك ينبغي الاهتمام بتنمية المهارات الاجتماعية؛ من خلال تركيز المعلم على المداخل والطرائق التفاعلية في تعليم اللغة، وبهذا يتم مراعاة الجانب التواصلي للغة.
– الاهتمام بالجوانب النفسية عند المتعلم، وفي مقدمتها الميول نحو اللغة العربية، وتنميتها وصولاً إلى تكوين اتجاهات إيجابية نحوها، وإلى قيمة يتمثّلها المتعلم في ممارساته فتستمر معه طيلة حياته؛ من خلال تنمية إحساسه بأهمية اللغة وقيمتها وجمالها، والتركيز على تذوق معانيها وصورها؛ باتّباع المعلم لإستراتيجيات وطرائق تتّخذ من التشويق مدخلاً، ومن إثارة خيال المتعلّم وقدراته التصورية طريقاً.
– إن المبدأ السابق يرتبط بضرورة تلبية الاحتياجات النفسية لدى المتعلمين، ومراعاة قدراتهم وميولهم؛ من خلال مراعاة المحتوى المقدم لهم لهذه الجوانب، واتّباع جملة من الممارسات التعليمية القائمة على المشاركة والحوار والتعاون، وإظهار فردية المتعلم وقدراته الذاتية، ومن خلال هذه الممارسات يتم مراعاة الجانب النفسي للغة، والذي لا تقلّ أهميته عن الجوانب المعرفية والمهارية الأخرى.
– ليس هناك طريقة واحدة مناسبة لتنمية كل فنون اللغة أو مهاراتها، وليس هناك طريقة واحدة لتنمية المهارة ذاتها؛ بل على المعلم أن يعي أن التنوع في استخدام الطرائق أجدى وأوفى لتحقيق الأهداف التي ينشدها في تلاميذه؛ فيختار ما يناسب مستواهم، وما يناسب المهارات اللغوية التي يسعى إلى تنميتها لديهم؛ مسترشداً بحسه التربوي، وبخبراته التعليمية، ومواكباً للتطورات التربوية والنفسية في مجال تعليم اللغة
 .