أبناؤنا واللغة العربية

أوصى بعض الحكماء أبناءه فقال: “اصلِحوا ألسنتكم! فإن الرجل تنُوبُه النائبةُ؛ فيستعير من أخيه ثوبَه، ومن صديقه دابته، ولا يجدُ من يعيرُهُ لسانَه”. إذا تأملنا هذه الوصية البليغة لوقفنا على معنى بديع، وهو فن الحديث مع الآخرين، والذي يتوق الجميع لإتقانه فمنهم من يصل لبُغيته، ومنهم من تنقطع به السبل دون ذلك. على هامش حفل المنظمة العالمية للنهوض باللغة العربية؛ تجاذبت أطراف الحديث مع كوكبة من المهتمين باللغة العربية، وقد أبدى البعض سعادةً تفوق الوصف لحضور مثل هذه الفعاليات التي تحتفي بالضاد، وفي نفس الوقت يأسفون على هجران أبنائهم للغة العربية.

إشكالية صعوبة تعبير الأبناء عن أفكارهم باللغة العربية كانت واضحة، والأمر المبشر بالخير أن الآباء يبحثون بصدق عن حلول لهذا المأزق الخطير. ليس من المقبول على الإطلاق إرغام الأبناء على حب اللغة العربية، ولكن بوسعنا أن نحبِّب إليهم اللغة العربية؛ فاختيار كنوز من الأدب العربي تناسب الواقع المعاصر، واستحداث طرق تدريس مواكبة للعصر، وتطويع التكنولوجيا لخدمة اللغة العربية من بين الوسائل التي يمكن الاعتماد عليها.

الحوار الهادئ مع الأبناء دون تشنُّج أو قسر له دور كبير؛ فنحن نؤكد لهم على أهمية اللغة في الحوار، وعلينا أن نكون قدوة لهم في ذلك فنتحدث بلغة سليمة ودون الاستعارات الخارجية في المرادفات والمصطلحات إلا بما تقتضيه الضرورة، كما أن تخصيص ساعة يوميًا للحديث باللغة العربية من شأنه أن يخلق جوًا من الألفة بين الشباب وبين اللغة العربية. لك أن تقرأ معه في كتابٍ من كتب اللغة الماتعة؛ وتشجعه على ذلك بأكثر من طريقة، وساعده إن تلعثم واطلب منه أن يواصل المطالعة بالعربية.

إن كنا نتغنى بالدراسة التي تثبت أن نجاح المرء في مجال عمله يعتمد على 15% من مهاراته التخصصية، بينما التواصل يلعب الدور الرئيس بنسبة 85% من هذا النجاح؛ فإن العربي الفذ قد نصح ولده قائلًا: اصلح لسانَكَ بالأدب؛ فإن الأدب أول مدلولٍ به على عقلك! ولو اطلع شبابنا على مثل هذه اللطائف؛ لتمسكوا بأدبنا العربي وارتووا من نبعه العذب.

إن كان ولدُك يدرس الإنجليزية أو الفرنسية أو الإسبانية؛ فلا حرج ونشجعه على ذلك ونرجو له التوفيق، ولكن ما ننكره هو أن يتطامن لتلك اللغات ويزهد في الضاد. وقد لفت الجاحظ الألباب لأهمية اللغات فذكر أن صاحب اللغة الواحدة ثريٌ في ألفاظه جزلٌ في عبارته، لكنه فقيرٌ في أفكاره وعلى العكس منه صاحب اللغتين، ومن ثمَّ يمكن لأبنائنا الذين يتقنون اللغات الأخرى أن ينقلوا لنا أفضل ما يجدونه في تلك اللغات، ولن يكون ذلك بدون لغةٍ عربية تعيننهم على تحمُّل هذه المسؤولية العظيمة.

ربما لو أدرك شبابنا أن سيبويه والكسائي قد لحنا في أول الطريق؛ فلما ثبتا في طلب العلم تربعا باجتهادهما على عرش النحاة، واسمهما يتردد في كل مكان، مما يشجع شبابنا على التأسي بهذين الرجلين؛ ليستقيم لسان هذا الشباب المبدع. إن التلعثم والوقفات الطويلة في الحديث تعود لفقر القاموس اللغوي لأبنائنا، وعليهم أن يتزودوا من كلمات لغتنا الخالدة لينطلقوا في حديثهم انطلاق السهم إلى الرميّة؛ فالألفاظ ذخيرة المتكلم. قال العتابي: أقدر الناس على الكلام من عوَّد لسانَه الركض في ميادين الألفاظ.

ابدأ الآن واستخدم ورقة وقلم لتجمع الكلمات الجديدة التي تمر تسمعها أو تقرأها، وضمِّنها في قاموسك الشخصي ثم تحدث بها ما سنحت الفرصة لك، واظب على ذلك لتمتلك حصيلة لغوية قوية، وتأكد أن من طلب شيئَا وجده.